«إيَّاكَ وذلك البارَّ، لأنِّي تألَّمْتُ اليوم كثيرًا في حلم من أجله» (متَّى 27: 19). هذا ما أرسلته امرأة بيلاطس له قبل تسليم الربِّ يسوع المسيح للصلب. ظهرت مرَّة واحدة في الأناجيل وقالت جملة واحدة فقط. ولكن في الحقيقة، بقيت جملتها تجلجل، ليس فقط في ضمير بيلاطس، بل في كلِّ المسكونة جمعاء. جملة حيَّة لا تموت، تخاطب كلَّ مسؤول ذي سلطة في الكنيسة وفي العالم، فتضعه أمام دينونة عظيمة: إمَّا أن يختار الحقَّ مهما كان الثمن ويكون من أصحاب الحقِّ الَّذي هو الربُّ، وإمَّا أن يختار الباطل حفاظًا على مراكز دنيويَّة فانية مهما عظمت.
يذكر الإنجيل المنحول «أعمال بيلاطس» أو ما يُعرف باسم «إنجيل نيقوديمس» من القرن الميلاديِّ الرابع اسم زوجة بيلاطس، وهو بروكلا Procula، فيقول: «وبينما كان بيلاطس جالسًا على كرسيِّ القضاء، أرسلت إليه زوجته، واسمها بروكلا، تقول له: إيَّاك وذلك الرجل البارَّ، لأنِّي تألَّمتُ كثيرًا الليلة في حلم بسببه» (2: 1). قولها هذا جعل الكنيسة تعلنها قدِّيسة، ويوم تذكارها هو في 27 تشرين الأوَّل من كلِّ عام.
كذلك يذكر ما حصل: «هذا المشهد ملأ قلب بيلاطس بالخوف. وأراد أن ينزل من على منصَّته، لكنَّه ما كاد يهمُّ بالحركة حتَّى وصله رسول من زوجته يقول له: «إيَّاك وأن يكون لك شأن مع هذا البارِّ، فقد تألَّمتُ كثيرًا هذه الليلة بسببه». فالتفت بيلاطس إلى اليهود جميعًا وقال: «أنتم تعرفون تقوى زوجتي، وتعلمون أنَّها ليست بعيدة عن دينكم». فأجابوه: «نعم، نحن نعلم ذلك». فقال بيلاطس: «إذن، لقد أرسلت إليَّ تقول: إيَّاك وأن يكون لك شأن مع هذا البارِّ، لأنَّني قد تألَّمتُ هذه الليلة كثيرًا بسببه». فردَّ عليه اليهود قائلين: «ألم نحذِّرك؟ إنَّه ساحر، وقد أرسل حُلمًا إلى زوجتك»!».
المعروف أنَّ امرأة بيلاطس رومانيَّة، فكيف يكون تقواها ليس بعيدًا عن دين اليهود؟ الجواب هو أنَّه في العهد الرومانيِّ، كان كثير من النساء الرومانيَّات المتعلِّمات يميلون إلى ديانة توحيديَّة بخلاف الوثنيَّة الَّتي تؤمن بتعدُّديَّة الآلهة، وكنَّ يُسَمَّيْنَ بالتقيَّات (σεβόμεναι θεόν / God-fearers)، أي مَن يعبُدنَ إله اليهود من غير أن يصبحن يهودًا بشكل رسميٍّ.
يشرح القدِّيس يوحَنَّا الذهبيُّ الفم أنَّ الربَّ سمح بما حصل مع زوجة بيلاطس، ليس من أجل يسوع كي لا يصلب، فهو أتى طوعًا إلى الصليب ليغلب الموت ويقيمنا معه، ولكن من أجل إعلان الحقِّ للناس، ولكي يعرف كلُّ صاحب سلطان أنَّ سلطانه هو كما يقول بولس الرسول بأنَّ الحاكم هو «خادم الله للصلاح!» (رومية 13: 4)، خاصَّة أنَّ الإنجيل يذكر أنَّ رسالتها أتت لبيلاطس وهو «على كرسيِّ الولاية» (متَّى 27: 19).
ويكمل الذهبيُّ الفم أنَّ بروكلا استحقَّت الرؤية لنقاوة قلبها، وتألَّمت من أجل الربِّ، وأعلنت موقفها بصراحة تامَّة دون مواربة. بروكلا كانت غريبة وليست يهوديَّة، وشهدت للحقِّ، بينما الَّذين كانوا يعتبرون أنفسهم أصحاب الشريعة تاهوا وضلُّوا وجحدوا، لدرجة أنَّهم زايدوا على بيلاطس بولائهم لقيصر، وهدَّدوه بأنَّه إن لم يحكم على يسوع يكون غير محبٍّ لقيصر، وأعلنوا بالفم الملآن عندما حاول بيلاطس أن يرمي الطابة في مرمى اليهود قائلًا لهم: «أأصلب ملككم؟» أجاب رؤساء الكهنة: «ليس لنا ملك إلَّا قيصر!» (يوحنَّا 19: 15). قالوا هذا لا حبًّا بقيصر بل لتنفيذ خطَّتهم الشرِّيرة. فهم عندهم أكثر من قيصر واحد، عندهم قيصر الحسد، وقيصر حبِّ السلطة، وقيصر الكبرياء، وقيصر عدم المحبَّة، وقيصر الرياء، وقيصر المجد الباطل، واللائحة تطول.
من ناحية بيلاطس كان الأمر مصيريًّا بالنسبة إليه، فقد حلم بالسلطة منذ صغره وخطَّط أيَّامًا وليالي طوالًا ليصبح حاكمًا. فقد كان الوالي الرومانيَّ على اليهوديَّة في عهد الإمبراطور طيباريوس. ويعتقد بأنَّه من طبقة الفرسان الرومانيَّة، أي الطبقة النبيلة الوسطى. واسم «بيلاطس» (Pilatus) لاتينيٌّ، وأبرز معانيه «المسلَّح بالرمح» أو «حامل الرمح»، من الكلمة اللاتينيَّة pilum الَّتي تعني الرمح أو الحربة. وهذا المعنى يتناسب مع خلفيَّته العسكريَّة، لأنَّ بيلاطس خدم في الجيش الرومانيِّ قبل أن يصبح واليًا. أمَّا «بُنطيوس» (Pontius) فهو اسم عائلة رومانيَّة قديمة.
جملة بيلاطس الشهيرة الَّتي تَوجَّهَ بها إلى الفرِّيسيِّين هي: «إنِّي بريء من دم هذا البارِّ! أَبْصِروا أنتم!» (متَّى 27: 24). الكنيسة الأثيوبيَّة تعتبره تاب في آخر حياته وتعلنه قدِّيسًا. في الواقع بيلاطس داس على الحقِّ خوفًا من أن يشتكي اليهود عليه لقيصر فيفقد منصبه، فحاول أن يبرِّئ نفسه وجيَّر الحكم لهم، فكان عبدًا لمنصب أرضيٍّ.
لنتوقَّف قليلًا أمام سؤال بيلاطس الَّذي طرحه على يسوع عندما قال له الأخير: «قد أتيتُ إلى العالم لأشهد للحقِّ. كلُّ من هو من الحقِّ يسمع صوتي»، فقال له بيلاطس: «ما هو الحقُّ؟» (يوحنَّا 18: 38). خطأ بيلاطس الكبير أنَّه لم يدرك أنَّ يسوع هو الحقُّ. فهو لم يسمع لصوت ضميره، ولا لامرأته، كان كلُّ ما يسمعه هو مجد السلطة. لهذا لم يسمح الربُّ بأن تحصل معه الرؤيا لأنَّ قلبه كان أصمَّ. فكم من صاحب سلطة أصمّ ومنتفخ بسلطته؟ وربَّما لو حصلت الرؤيا مع بيلاطس لكان تكتَّم عليها لأنَّها لا تخدم مصلحته. الربُّ القدُّوس لا يترك الحقَّ دون شاهد، ولا يكفُّ عن تحذيرنا من الوقوع في الباطل. ونهاية الشرِّ مأساة. وهنا يذكر المؤرِّخ الكنسيُّ إفسابيوس القيصريُّ أنَّ بيلاطس حلَّت به مصائب، وانتهى الأمر به بالانتحار.
في الخلاصة، موقف بروكلا لفت الأنظار منذ البداية، فأوريجنس أوحى بعظاته أنَّها اعتنقت المسيحيَّة. وهناك من قام بمقارنة بين حوَّاء الَّتي سمعت من الشيطان وأسقطت آدم معها، وبين بروكلا الَّتي سمعت من الربِّ وأرادت تخليص زوجها من الشرِّير.
فافتح يا ربُّ قلبنا وأنر ذهننا وأطلق لساننا لنعلن أنَّك الحقُّ ونسير في طريقك.
إلى الربِّ نطلب.