على الرغم من أن ​إسرائيل​ كانت السبب في إفشال المبادرة التي حملها إلى ​لبنان​، في الأشهر الماضية، لا يتوقف الموفد الأميركي توم براك، في المرحلة الحالية، عن توجيه الإنتقادات إلى الجانب اللبناني الرسمي، حيث يُحمل بيروت، بحسب المواقف التي تصدر عنه، المسؤولية عن فشل المهمة التي كلف بها، إلى جانب مسؤوليته الأخرى، كسفير للولايات المتحدة في تركيا ومبعوثاً لها لمتابعة الملف السوري.

منذ لحظة تكليفه بالملف اللبناني، كان من الواضح أن براك لن يستمر في هذه المهمة لفترة طويلة، لذلك كان من الطبيعي، إنطلاقاً من طموح شخصي، أن يسعى إلى تحقيق نتيجة ما بأسرع وقت ممكن، لكنه من الناحية العملية فشل في ذلك، بسبب عدم إقتناع تل أبيب، بالدرجة الأولى، بأهمية الوصول إلى إتفاق مع بيروت، خصوصاً في ظل الوقائع التي فرضتها، من الناحية العملية، منذ توقيع إتفاق وقف إطلاق النار.

بناء على ذلك، يمكن فهم المواقف التي يدلي بها الموفد الأميركي بشكل شبه يومي، بحسب ما ترى مصادر سياسية متابعة عبر "النشرة"، بالرغم من أنها تأتي بالتزامن مع مبادرة إسرائيل إلى رفع مستوى التهديدات التي تطلقها ضد لبنان، في الفترة الماضية، تحت عنوان أن "​حزب الله​" يعمل على إستعادة قوته، إلا أن ما ينبغي التوقف عنده هو ذهاب براك إلى وصف لبنان بالدولة الفاشلة.

بالنسبة إلى براك، لبنان يعاني حالة فشل، نظراً إلى أن الحكومة لم تتقدم بالسرعة المطلوبة في مسألة معالجة ملف سلاح "حزب الله"، بينما إسرائيل مستعدة للتوصل إلى اتفاق مع لبنان بشأن الحدود، مشيراً إلى أن "على اللبنانيين اللحاق بركب المفاوضات والحرص على حدودهم"، الأمر الذي ترى المصادر نفسها أنه الهدف الرئيسي من كل الضغوط التي تمارس في المرحلة الحالية.

هنا تذكر هذه المصادر بأن لبنان لا يعارض مبدأ التفاوض، الأمر الذي أكده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، من منطلق أنه الخيار الوحيد المتاح، لكنها تلفت إلى أن نقطة الخلاف تكمن في شكل التفاوض، الذي عبر براك نفسه عما هو مطلوب، من خلال دعوته له إلى أن يتصل برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، من أجل العمل على معالجة كل الرواسب، بالرغم من أن لبنان قد فتح الباب لتوسيع آلية لجنة مراقبة إتفاق وقف إطلاق النار القائمة.

بعيداً عن الخلافات الداخلية التي من الممكن أن تثيرها مسألة الإتصال المباشر، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق برغبة تل أبيب، في حال حصول ذلك، بالوصول إلى إتفاق مع بيروت، نظراً إلى أن المهم ليس شكل التفاوض بل وجود رغبة في الوصول إلى حل، لا سيما أن شكل التفاوض غير المباشر، الذي يُصر لبنان عليه، سبق له أن حقق نتائج في الماضي، بدءاً من ملف ترسيم الحدود البحرية ثم إتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى عدوان ايلول من العام الماضي.

في هذا السياق، تذهب المصادر السياسية المتابعة إلى الحديث عن براك يرى أن الحل "الأسهل"، من وجهة نظره، هو ذهاب لبنان إلى تقديم المزيد من التنازلات، دون أن يقدم أي ضمانات بأن إسرائيل من الممكن أن تلتزم، كما كان عليه الواقع عندما طرح مبادرته الشهيرة، لا بل ما لا يمكن تجاهله هو أنه قدم، في الأسابيع الماضية، طرحاً وافقت عليه بيروت، لكنه عاد ليبلغ المسؤولين اللبنانيين أن تل أبيب رفضته، في حين كان من المفترض به أن يناقشه معها قبل طرحه.

بالعودة إلى النقطة الأساس، أي تصنيف الموفد الأميركي لبنان كدولة فاشلة، تشير المصادر نفسها إلى أن معيار نجاح الدولة عند براك هو تحقيق مصالح إسرائيل، الأمر الذي يظهر من خلال تبريره كل الخطوات التي تقوم بها السلطة الإنتقاليّة في سوريا، لا بل الإستمرار في الثناء عليها وتقديمها كنموذج يجب على الجميع أن يحتذي به، بسبب التنازلات التي تقدمها على مستوى العلاقة مع تل أبيب، خصوصاً أنه يؤكد أنها ستذهب إلى توقيع إتفاق أمني معها قبل نهاية العام الحالي.

في المحصلة، ترى هذه المصادر أن المشكلة تكمن فيما إذا كان ما يدلي به براك من مواقف يعبر عن وجهة نظر الإدارة الأميركية، بحسب ما يؤكد هو نفسه، نظراً إلى أن ذلك لن يقود إلى معالجة الأزمة القائمة، بل على العكس من المرجح أن يقود إلى المزيد من التعقيدات، لا سيما على المستوى الداخلي، معربة عن أملها أن يؤدي وصول السفير الأميركي الجديد ميشال عيسى إلى نهج مختلف من التعامل.