لم يكن الرابع من تشرين الثاني يوماً عادياً بالنسبة للأميركيين الذين يعيشون في نيويورك، فقد استفاق هؤلاء على فوز كبير حققه زهران ممداني بانتخابات عمدة نيويورك، بنسبة 50.4% على منافسيه الحاكم السابق لولاية نيويورك أندرو كومو، وقد خاض الانتخابات الحالية بصفته مرشحاً مستقلاً، وكيرتس سليوا المرشح عن الحزب الجمهوري.
الفوز التاريخي الذي حققه ممداني، وهو أو مسلم يتولى عمدة نيويورك، أعطى إشارات واضحة على تغيير المزاج الشعبي في أميركا تجاه قضايا أساسية، ومنها السياسة الاسرائيلية المعتمدة في الشرق الأوسط. ولا شكّ أن الحملة الكبيرة التي ترافقت مع الفوز، أظهرت وكأن الأمور انقلبت رأساً على عقب، وكأن الجوّ الاميركي أصبح معادٍ لإسرائيل أو أبعد من ذلك... ولكن مهلاً دعونا نقرأ ما حقيقة هذا الفوز، ما هي الرسالة منه وماذا ينتظر الولايات المتحدة واسرائيل، التي تلقتا "صفعة" بفوز ممداني، وهي المدينة التي تحتوي على أكبر تجمع لليهود في العالم بعد إسرائيل.
الناطق بإسم الحزب الجمهوري في فرنسا نيقولا كونكر يتحدث عن الموضوع، شارحاً أن "نيويورك ليست الولايات المتحدة، ويجب أن ندرك أنّ الديمقراطيين يسيطرون على المدينة، وقد شاهدنا هناك عدّة مظاهرات دعماً للقضية الفلسطينيّة وضدّ السياسية الاسرائيلية. وطبعاً ذلك لا يعكس أبداً صورة أميركا".
بدورها، تشير اساتذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدكتورة ليلى نقولا إلى أن "الديمقراطيين التقدميين هم الأقوى في نيويورك، وهذه المدينة تتضمن أكبر نسبة مهاجرين وفيها فقر مدقع، من هنا تميل فيها الناس إلى خطاب الديمقراطيين التقدميين وهم ضدّ اسرائيل وسياساتها"، لافتة إلى أن "الخطاب الذي يقدمه هؤلاء يستميل الشباب، وقد أظهرت استطلاعات الرأي أن النسبة الأكبر المؤيدة لاسرائيل في أميركا هم من تجاوزوا الرابعة والخامسين عاماً من العمر، أما من هم في الثلاثين وما دون فهؤلاء يعتبرون من الاجيال الشابة وضدّ اسرائيل".
النتائج التي صدرت أثبتت أن جزءاً من اليهود في نيويورك صوتوا لممداني. ويشير كونكر إلى أن "نيويورك فيها أكبر تجمع لليهود في العالم خارج إسرائيل، وداخل هؤلاء هناك من يسمونهم اليهود المثقفين، والواضح أنهم يؤيدون اسرائيل "كدولة" ولكنهم يعارضون سياسية الحكومة الاسرائيلية أو سياسة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو تحديداً". في الوقت نفسه، تلفت الدكتورة نقولا إلى أن "الكمّ الأكبر من اليهود في نيويورك هي من المهاجرين، وهؤلاء لا يؤثرون بشكل كبير بالانتخابات، على عكس اللوبي اليهودي، الذي يساير الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ولكنه يدعم سياسة اسرائيل".
"لرسم الصورة بشكل دقيق حول فوز ممداني يجب أولاً التأكيد على أنه وبداخل كل حزب هناك تيارات تتصاعد". هذا ما تؤكده نقولا، لافتة إلى أنه "مثلاً داخل الحزب الديمقراطي هناك التقدميين ولا يمكن للحزب الفوز دون إرضاء هذه الفئة وهؤلاء ضد اسرائيل وسياساتها. بالمقابل في الحزب الجمهوري، هناك تيار يبرز وهو "الماغا" أو "أميركا أولاً"، وهؤلاء يتمايزون بتأكيدهم على أن "أميركا أولا" وليس "إسرائيل أولاً"، وما بين الاثنين أي التقدميين الديمقراطيين و"الماغا"، هناك الطبقة التقليدية".
"ما يؤثّر بالانتخابات الاميركية العامة هي الكنائس الانجيليّة". وهنا تلفت نقولا إلى "وجود 71 مليون شخص ينتمون إلى تلك الكنائس، أما بخصوص اليهود فالناخبون واللوبي اليهودي الذي لا دخل له بالناخبين" والفئة الاولى من اليهود لا يرجحون الكفّة أو يؤثرون في الانتخابات الاميركية، والمثال على ذلك هي الانتخابات الأخيرة، حيث اقترعوا بأغلبيتهم لكمالا هاريس وفاز دونالد ترامب بالرئاسة".
في المحصّلة، داخل كل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري هناك تيارات تكبر، والأكيد أن هناك تحولات تحصل في كل حزب، كما هناك طبقة تقليدية و"لوبيات" تدفع الأموال لتمنع هذه التحولات، والأكيد أن رأي الشباب يتغيّر. والسؤال: "الى أيّ مدى يستطيع أن يضبط ترامب حركة "الماغا" أو "أميركا أولا" ولا يدعها تكبر"؟.