شكل "الكتاب المفتوح" الذي أصدره حزب الله إلى الرئاسات اللبنانية والشعب، نقطة تحول دقيقة ومفصلية في خطابه وتعامله مع ملفي الصراع مع إسرائيل وقرار السلم والحرب، خاصة في ضوء استمرار التوترات الحدودية ومحاولات الأطراف الدولية والداخلية حصر السلاح بيد الدولة والبحث عن آليات دائمة لوقف الأعمال العدائية. فرغم التمسك الجذري والثابت بحق المقاومة ورفض التفاوض السياسي، إلا أن صياغات البيان حملت في طياتها اعترافات ضمنية وتكييفاً للموقف بما يخدم المرحلة الراهنة، بعيداً عن الاحتكار الكامل لقرار المواجهة.
لعل النقطة الأبرز والأكثر دلالة في البيان هي التمييز الصريح بين "قرار الحرب والسلم" وبين ممارسة "حق المقاومة والدفاع المشروع". إذ ذكر البيان نصاً :"ولا يندرج الدفاع المشروع تحت عنوان قرار السلم أو قرار الحرب، بل نمارس حقنا في الدفاع ضد عدو يفرض الحرب على بلدنا". هذا الطرح يمثل تخلياً ضمنياً ولو بطريقة غير رسمية، عن احتكار قرار الحرب والسلم الذي لطالما تم انتقاد الحزب بسببه. فمن خلال تكييف العمليات القتالية في المرحلة الحالية على أنها مجرد "دفاع مشروع" (أي رد فعل على اعتداء مستمر من العدو) وليس "قرار حرب" (الذي يحتاج إلى إجماع وطني أو قرار رسمي من الدولة)، يكون الحزب قد سحب عملياته من تحت سقف "قرار الحرب" الجدلي، ووضعها في خانة "الدفاع" المبرر قانونياً ووطنياً. هذا التحول التعبيري يشكل محاولة لتخفيف العبء السياسي والمسؤولية الوطنية عن الحزب وحده، وتعميم شرعية الفعل على أنه استجابة لواقع فرضه العدوان الإسرائيلي المستمر وخروقاته لبنود الاتفاق الذي مضى عليه اكثر من عام.
في المقابل، أعاد الكتاب التأكيد على موقف الحزب الوقوف "إلى جانب جيشنا وشعبنا لحماية سيادة بلدنا"، مجدداً بذلك التشديد على ثلاثية "المقاومة والشعب والجيش". إن إعادة إحياء هذه الثلاثية في ظل التوترات الأخيرة والمطالبات الدولية بتطبيق القرار 1701 وإبعاد المقاومة عن الحدود، في وقت لا يزال هذا المفهوم موضع تجاذب ونقاش في لبنان، بين مؤيد ومعارض. في هذا التوقيت تحديداً، فإن التمسك بالثلاثية ليس مجرد تكرار لشعار، بل هو تأكيد على الالتزام الوطني وربط المقاومة بأعلى رمزيتين للدولة (الجيش) والأمة (الشعب)، في مواجهة الضغوط التي تسعى لعزل الحزب وتصويره ككيان خارج الإجماع اللبناني. يهدف هذا التجديد إلى قطع الطريق على اي محاولة لتقديم قرار حصرية السلاح على أنه قرار وطني جامع، عبر تذكير الجميع بأن الدفاع الفعلي يتم بمكونات هذه الثلاثية.
ولا بد ايضاً من الإشارة الى لغة الكتاب التي تركز على ضرورة "توحيد الجهود لوقف الانتهاكات والعدوان ودفع المخاطر"، والدعوة إلى "الضغط على العدو الصهيوني للالتزام بتنفيذه"، وذلك بدلاً من التهديد والوعيد الذي كان طاغياً في كلمات ومواقف وخطابات الحزب سابقاً. يمكن قراءة هذا التحول بأنه اعتراف ضمني من الحزب بأن المواجهات العسكرية المفتوحة لم تحقق النتيجة السياسية أو الأمنية المطلوبة، أو أنها أصبحت مكلفة جداً على المستوى الوطني والإقليمي.
ويشدد الكتاب على أن "العدو الإسرائيلي لا يستهدف حزب الله وحده، وإنّما يستهدف لبنان بكل مكوّناته". هذا القول، وإن كان صحيحاً في مفهومه العام كونه يرفض تفاوضاً يهدد السيادة اللبنانية ككل، إلا أنه يأتي كجزء من استراتيجية دفاعية أوسع. لا يختلف اثنان على أن الحزب والمناطق التي يتواجد فيها هي الهدف الأولي والأساسي للعدو، وأن الضغط الدولي ينصب بالدرجة الأولى على نزع سلاحه. لكن تكرار أن "لبنان كله مستهدف" يخدم غرضين: الأول، توسيع دائرة المتضررين وربط مصلحة جميع اللبنانيين ببقاء قوة المقاومة لمواجهة الاستهداف الشامل. والثاني، تحذير الأطراف الداخلية من الانجرار وراء "الأفخاخ التفاوضية" التي يرى الحزب أنها تخدم المصالح الإسرائيلية بنزع سلاح المقاومة، وبالتالي تجريد لبنان ككل من قدرته على رفض "المطالب الابتزازية" الإسرائيلية.
وبالتالي، يمكن القول ان كتاب الحزب، يظهر موقفاً متصلباً في الجوهر (رفض التفاوض ونزع السلاح)، ولكنه مرن في التكتيك والخطاب السياسي، في محاولة لمواجهة الضغط الدولي والوطني بما يعزز شرعية المقاومة داخلياً ويجنب تحميلها مسؤولية "قرار الحرب" بشكل انفرادي، ولكن ضعف الحزب عسكرياً يلقي بظلاله على نسبة نجاح هذا الرهان.