في المشهد الإقليمي المتوتر، تتقدّم ​مبادرة التفاوض​ حول الحدود بين لبنان و"العدو الإسرائيلي" على إيقاع بطيء، يكاد يُقارب الجمود، فالمبادرة اللبنانية الأخيرة، التي تدعو إلى إعادة تفعيل آلية التفاوض "الميكانيزم" وتوسيع اللجنة لتضم خبراء مدنيين متخصصين في ​القانون الدولي​ والحدود والتفاوض، ما زالت بلا رد إسرائيلي واضح، رغم أن البعض في لبنان قد يعول على وصول الرد على لسان السفير الأميركي الجديد في بيروت ميشال عيسى الذي باشر مهامه خلال الساعات الماضية.

ترى مصادر سياسية بارزة أن هذا الصمت الاميركي-الإسرائيلي، ليس تفصيلاً تقنياً، بل جزء من معركة أعمق تدور حول شكل الطاولة قبل مضمون الحوار نفسه، مشيرة إلى أن لبنان يعتبر أن المرحلة حساسة وتتطلب عقلا تفاوضيا علمياً منفتحاً، وأن الموافقة على توسيع اللجنة يعني محاولة تحصين القرار الوطني من جهة، ورفع كلفة أي تنازل من جهة ثانية، ورمي للكرة في الملعب الأميركي، وهنا بالتحديد تكمن المشكلة بالنسبة لإسرائيل، التي تخشى أن تتحول الطاولة الواسعة إلى مكان يحرمها من كل المنجزات العسكرية التي حققتها، وجعلتها تبني مواقعها داخل الأراضي اللبنانية.

تكشف المصادر عبر "النشرة" أن إسرائيل، التي لم ترد بعد على المبادرة اللبنانية، تفضّل طاولة أصغر، خالية من اللاعبين الإضافيين، وتحديداً فرنسا التي تحاول تل أبيب استبعادها بحجة "عدم الحياد" ومواقفها السلبية من الحكومة الإسرائيلية، وكأن الطرف الأميركي هو الحيادي بنظر إسرائيل، وبحسب المصادر فإن ما وصل للبنان من معطيات يؤكد أن الرغبة الإسرائيلية تتأتى من قدرة باريس على "دوزنة" مواقفها بين الطرفين، وهو ما لا يناسب المشروع الإسرائيلي القائم على انتزاع اعتراف مسبق بواقع ما بعد الحرب، لا الدخول في عملية تفاوض متكافئة.

أما واشنطن، فتعزز هذا الاتجاه بشكل واضح، إذ تريد مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، تبدأ تحت رعايتها ثم تستمر ثنائية بلا وسطاء، وبحسب المصادر فإن الهدف الأميركي هو تجريد لبنان من أي سند دولي قد يعطل المسار الأميركي أو يحد من القدرة على فرض شروط تسوية تخدم مصالح تل أبيب والاستراتيجية الإقليمية الأميركية، لذلك فإن الموقف الأميركي الثابت حتى اللحظة، والذي قد يتبدل مستقبلا بسبب ضغط الوقت، وصمود لبنان، هو وضعنا أمام خيارين فقط، إما القبول بالصيغة الثنائية أو البقاء تحت الضغط الإقتصادي والميداني.

في هذا السياق، ترى المصادر أن الصمت الإسرائيلي جوابا بحد ذاته، فإسرائيل لا تريد إعطاء أي اعتراف مسبق بصيغة تفاوضية تمنح لبنان شرعية إضافية، لذلك هي فضّلت خلال الأسابيع الماضية ترك الملف معلقاً، تستثمر فيه سياسياً وميدانياً، وتنتظر تبدلات قد تأتي من غزة أو من إيران، أو من لبنان نفسه بعد حملة التصعيد عليه، وباتت تتحدث عنها الصحافة الإسرائيلية بشكل يوميّ.

ترى المصادر أن الصراع اليوم لم يدخل تفاصيل التفاوض، أو النقاط الحدودية، بل شكل التفاوض ومن يملك الحق في رسم شكله وسياقه، فإسرائيل لا ترى بلبنان ندا يجلس على طاولة تفاوضية، بل خاسراً يوقع على شروط استسلامه، ولبنان بالمقابل يُدرك أن أي تنازل لن يقدم له شيئاً سوى المزيد من التنازل، بما يعرض الصيغة اللبنانية للخطر، وبين هذا وذاك، تبقى الجبهة اللبنانية مفتوحة بحسم مؤجل، قد لا يطول.