لا شكّ أن لبنان يمرّ بأزمة كبرى، إلى جانب أزمته السياسة، هي التغيّر المناخي، الأمر الذي يُؤخذ بمنحى بسيط فتنحصر القضيّة بتبدّل المناخ، ولكن ما لا يجب نسيانه أن ما يحصل أدى إلى نقص وشحّ في المياه، وبالتالي احتمال اندلاع نزاعات وأزمات من نوع آخر خصوصاً في منطقة الشرق الاوسط والخليج العربي، التي تتداخل فيها الأنهر من جهّة وتعاني بمعظمها، إذا لم نقل جميعها، من جفاف حاد هذا العام...
فما يحصل ناجم عن إنباعاثات من ثاني أوكسيد الكاربون، ويأتي ذلك نتيجة حرق الوقود الاحفوري بالسيارات وتوليد الكهرباء وبالصناعات، لاسيما صناعة الاسمنت التي تولد ثالث أكبر مصدر للغازات الدفيئة، وهذه كلها موجودة في لبنان والعالم وأدت إلى التطرّف في المناخ.
البعض قد يخلط بين الجفاف والتصحّر، ولكن الحقيقة أن ما نعيشه اليوم لم يصل إلى التصحّر، انما هو نتيجة إهمالنا للأرض والتربة وإنعدام المياه، بل إن ما نمرّ به هو فترة جفاف. ويشرح الباحث الأكاديمي والمسؤول عن مكتب الاستدامة في الجامعة اللبنانية الأميركية الدكتور نديم فرجالله أنه "في لبنان تاريخياً، مرة كل ست سنوات يحصل سنة جفاف وفي بعض الأحيان أكثر، وبتغيير المناخ الجاري قد لا يكون مرة واحدة خلال الفترة المذكورة، بل قد يكون سنة أو سنتين متتاليتين". ويلفت إلى أن "الوضع كما يظهر حالياً ليس جيّداً"، مشيراً إلى أنه "يجب دراسة المناخ العالمي كيف يكون، لأن هناك ظاهرة "لانينيا"، التي لها تأثير على التكتلات الهوائية عالميًّا، وكيف من الممكن أن تؤثر على لبنان، والدراسات المبدئية، التي قمنا بها، تشير إلى أنها تؤثر سلباً على الطقس وتؤدي إلى تراجع معدل الأمطار". ويشدد على أننا "لا نعرف اذا دخلنا بظاهرة لانينيا العام الماضي والآن نخرج منها، أو بدأنا العالم الماضي والآن نحن في أوجها، لكن المؤكّد أن الوضع ليس جيداً".
ويضيف الدكتور فرجالله أن "التغيير المناخي يشير إلى تقلص المتساقطات إلى 20% في لبنان، وسيزداد الجفاف، ولكن طبعاً لن نصبح صحراء"، مشدداً على أنه "مع التغيّر المناخي الذي يحدث سيخفّ المطر".
في المقابل، نجد أن المشكلة الحاصلة أدت إلى شحٍّ حاد في المياه، وهذا ما نشهده في العديد من البلدان التي تعاني، كالعراق وإيران وغيرهما وحتى لبنان، والأكيد أنه وبسبب كلّ هذه العوامل فإن الصراع الحقيقي مستقبلاً بين الدول سيكون على المياه. وعلى سبيل المثال فإنّ تركيا، لديها 21 سدًّا للماء، وبالتالي إنخفضت الكمية المياه تمرّ بسوريا والعراق. ويشرح المؤرخ عصام خليفة أن "العراق يعاني من جراء السدود التي أنشأتها تركيا، وبالتالي فإن المياه التي كانت تذهب إلى نهر دجلة والفرات تمّ ضبطها من قبل أنقرة، وهذا الأمر أثر على سوريا والعراق معاً". أما ايران فلديها مشكلة من نوع آخر، لم تُفهم حتى الساعة لكن الأرجح أنها مشكلة مناخيّة أو سوء ادارة ربما، هذا ما يشير اليه خليفة. هنا توضح مصادر أن "ما أدى إلى الجفاف في إيران، بالإضافة إلى التغيّر المناخي، هو زيادة الطلب على المياه، وبالتالي المئة ليتر تكفي لمئة شخص، ولكن عندما تبقى المئة ولكن تصبح لألف شخص هنا تصبح المشكلة".
أما في لبنان، فهناك قصّة من نوع آخر. فلبنان الذي يعاني من قلّة في المياه نتيجة عدم تخزينها أو بالأحرى قلّة بالقدرة التخزينية، كما يؤكد الدكتور فرجالله. يمتلك ثروات مائية ضخمة تذهب هدراً. ومنها ما هو موجود في باطن الأرض تذهب إلى البحر"، ويضيف: "أهل شكا مثلاً يعانون من نقص في المياه، بينما تحت شكا هناك 700 مليون متر مربع من المياه تصب بالبحر". ليعود فرجالله ويشرح أن "تخزين المياه الجوفيّة يأتي من ذوبان الثلوج، وهذا ما لم يحصل خلال السنة المنصرمة، بينما يتساقط المطر ويذهب هدرًا إلى البحر، وبالتالي لا قدرة تخزينيّة سطحية لدى لبنان".
ليست العراق أو الاردن أو سوريا أو لبنان هم فقط الذين يعانون. فاسرائيل أيضاً تعاني، وهنا يشير خليفة إلى أن "بحيرة طبريا ليست بخير، وهي تعاني من مشكلة في الكمّية والملوحة والتبخّر، ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تطالب بالليطاني وتزعم أنّه من حدودها، ولماذا سيطرت على مزارع شبعا وحرمون لأنّه يغذي نهر الأردن بمليون و200 متر مكعب، كما سيطرت الآن على حوض اليرموك وهو أهم رافد لنهر الأردن، وتستفيد منه الضفة والأردن واسرائيل".























































