يطلّ عيد الاستقلال هذا العام على لبنان من دون عرض عسكري في بيروت، ومن دون الاحتفالات التقليدية التي اعتادها اللبنانيون، ليس بسبب فراغ رئاسي تحوّل إلى "شبه عرف" في بلاد بات الفراغ هو الذي يحكمها بعد انقضاء كلّ ولاية رئاسية، حتى "يهبط الوحي" على المسؤولين، بل انسجامًا مع "الظروف التي يمرّ بها البلد"، وفق رئيس الجمهورية جوزاف عون، وفي مرحلة يصفها كثيرون بالمفصليّة والمصيرية.
في المقابل، يختار رئيس مجلس النواب نبيه برّي أن يقدّم تعريفًا عمليًا للاستقلال بوصفه "امتحانًا يوميًا" لا حدثًا وقع في 22 تشرين الثاني 1943 وانتهى. وهو يربط في رسالته بالمناسبة بين تحقيق الاستقلال "الناجز برًا وبحرًا وجوًا" وبين صدّ العدوان الإسرائيلي المستمرّ، و"تأمين كل مستلزمات الدعم والمؤازرة لتمكين الجيش من القيام بواجباته"، محذّرًا من التشكيك بالمؤسسة العسكرية أو التحريض عليها.
وبين هذين الخطابين، يطلّ قائد الجيش العماد رودولف هيكل برسالة مباشرة: "الوطن يشهد مرحلة مصيرية هي من الأصعب في تاريخه". يذكّر بهشاشة وقف إطلاق النار المبرم قبل عام مع إسرائيل، وبأن الاحتلال لا يزال قائمًا على أجزاء من الأراضي اللبنانية. ويذهب أبعد من ذلك، فيضع المؤسسة العسكرية برمّتها في قلب معادلة الاستقلال اليوم: من دون جيش قادر ومسنود، لا معنى لأي كلام عن سيادة وحدود محمية.
بذلك، تتحوّل الذكرى من مناسبة بروتوكولية إلى محطة لمراجعة معنى الاستقلال في لحظة تبدو فيها الدولة معلّقة بين جبهة جنوبية مفتوحة، وانهيار داخلي متراكم، وضغوط دولية تتجاوز مسألة شكل الاحتفال إلى جوهر السيادة وحدودها. فأين يقف استقلال لبنان اليوم بين الذاكرة المؤسسة لعام 1943، وبين مشروع إعادة رسم الحدود والوظيفة الذي تلوّح به إسرائيل، وبين مسار تفاوضي محتمل تحاول باريس وواشنطن والرياض رسم ملامحه؟.
للإجابة عن هذا السؤال، قد يكون من الضروري بدايةً العودة قليلًا إلى الوراء، فاستقلال 1943 لم يكن نهاية الصراع على لبنان، بل ربما مهّد لمرحلة جديدة من تنازع "الوصايات" على أرضه وقراره. صحيح أنّ رجال الاستقلال تمكّنوا من إلغاء مواد الانتداب من الدستور وإجبار فرنسا على إطلاق سراحهم، لكنّ "الميثاق الوطني" الذي وُلد من تلك التسوية حمل في طيّاته بذور أزمات لاحقة، بترسيخه معادلة "لا للغرب ولا للوحدة مع الشرق" التي فتحت عمليًا الباب أمام صراعات متكررة حول موقعه بين محاور الإقليم.
فمنذ أزمة 1958، مرورًا بدخول الجيش السوري عام 1976، ثم الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وصولًا إلى اتفاق الطائف وخروج الجيش السوري عام 2005، ظلّ معنى الاستقلال اللبناني يتبدّل تبعًا لتوازنات القوى أكثر ممّا يتحدّد بنصوص دستورية. لم يتغيّر ذلك، حتى بعد خروج القوات السورية، الذي أفرز معادلة جديدة: دولة رسمية بجيش ومؤسسات، وإلى جانبها قوة عسكرية رديفة أخرى يمثلها "حزب الله".
مع الوقت تمدّد دور الحزب الإقليمي في سوريا والعراق واليمن، فيما ظلّ سلاحه داخل لبنان محور انقسام حادّ بين من يراه جزءًا من عناصر قوة البلد في مواجهة إسرائيل، ومن يعتبره عائقًا بنيويًا أمام قيام دولة سيدة على قرارها. حتى اغتيال الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله عام 2024، لم ينهِ هذا الجدل، بل أعاد إنتاجه بصيغ جديدة، في ظل ضغوط دولية متصاعدة لربط أي دعم للبنان بمسار نزع سلاح الحزب أو دمجه في مؤسسات الدولة.
بهذا المعنى، يمكن القول إنّ استقلال 1943 لم يكتمل يومًا بوصفه استقلال قرار وطني موحّد، بل يصبح عبارة عن "استقلالات" متعدّدة ومتزامنة، أو استقلال متعدّد الطبقات إن صحّ التعبير، بين من يحصره بسيرته التاريخية، ومن يطبّقه على الواقع، لكنها كلّها توضع اليوم أمام امتحان واحد، هو امتحان السيادة في وجه التهديدات والأطماع، فهل يمكن إعادة تركيبها في معادلة وطنية جامعة، أم أنّ كل طرف سيظلّ متمسّكًا باستقلاله الخاص على حساب الآخرين؟.
هنا، تُستحضَر رسالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى اللبنانيين بالمناسبة. فهو يستعيد لغة التاريخ ليصف السنوات الماضية، بأنها "حافلة بالمحطات المفصلية والتحديات" التي تجاوزها اللبنانيون، قبل أن ينتقل إلى الحاضر معلنًا أنّ الوطن يشهد اليوم "مرحلة مصيرية هي من الأصعب في تاريخه"، بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي واعتداءاته ومنعه استكمال انتشار الجيش وتسبّبه بسقوط شهداء ودمار في المنشآت.
هذه اللغة لا تكتفي بوصف الواقع الميداني، بل تعيد تموضع الجيش في قلب معركة الاستقلال ليس فقط كرمز "وحدوي"، بل كأداة تنفيذية لأيّ تسوية مقبلة، سواء كان عنوانها تطبيق أكثر تشدّدًا للقرار 1701 أم ترتيبات أمنية جديدة على الحدود، وأبعد من ذلك، كأداة محورية في مشروع إعادة تعريف الاستقلال برمّته، في ظلّ اختلاف "الرهانات"، بل ربما "تناقضها" على دوره ووظيفته، وصولاً حتى محاولة "تطويع" خطابه.
هنا يتقاطع كلام رئيس مجلس النواب نبيه برّي عن "تأمين الدعم للجيش لا التشكيك والوشاية والتحريض عليه" مع تحذير غير مباشر من تحويل المساعدات الدولية إلى مدخل لتسييس المؤسسة العسكرية، أو لاستخدامها كأداة ضغط في ملف السلاح والحدود. فكلما ازداد ربط الدعم الخارجي بشروط سياسية، أصبح استقلال قرار الجيش نفسه موضع تفاوض، وأُعيد فتح سؤال جوهري: من يملك حق تحديد "المصلحة الوطنية العليا": الداخل أم العواصم التي تموّل وتضغط؟
في هذا الامتحان المعاصر للاستقلال، تبدو الجبهة الجنوبية المسرح الأكثر تجلّيًا لِما يعنيه أن تكون دولة "سيدة" أو "مرتهَنة". فالتصريحات الإسرائيلية المتتالية تُقرَأ كجزء من مشروع أوسع لإعادة رسم قواعد الاشتباك وحدود الحركة في الجنوب، في ظلّ انطباع قائم بأنّ إسرائيل تهدف عمليًا إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر توسيع نطاق "المنطقة المنزوعة السلاح" أو دفع لبنان إلى قبول ترتيبات أمنية أشدّ قسوة ممّا نصّ عليه القرار 1701.
في موازاة هذا الضغط الميداني، ينفتح مسار آخر لا يقلّ حساسية: مسار التفاوض، الذي يؤكد لبنان استعداده للخوض فيه، في محاولة لتحويل وقف إطلاق النار الهشّ إلى فرصة لترسيم أوضح للسيادة على الأرض، فيما تحجم إسرائيل عن التعليق عليه، مكتفية برسائل "نارية" يُفهَم منها أنّها إما مصرّة على الذهاب إلى الحرب مهما كان الثمن، أو أنها تريد رفع سقفها، بحيث تفرض شروطها قبل الجلوس على طاولة المفاوضات.
هكذا، بين جبهة تُضغط بالنار، ومسار تفاوض يُضغط بالشروط، يجد لبنان نفسه أمام نسخة محدثة من سؤال 1943: كيف يمكن لدولة صغيرة، بموقع هشّ واقتصاد منهك ومجتمع منقسم، أن تصون استقلالها في مواجهة مشاريع أكبر منها؟ الفارق أنّ "المفوَّض السامي" اليوم لم يعد واحدًا، بل عواصم متعددة تتقاطع مصالحها عند الجنوب اللبناني، وتتباين مقاربتها لسلاح حزب الله ولدور الجيش وحدود الدولة، ولو أنّ العنصر الحاسم يبقى داخليًا بطبيعة الحال.
هنا، لا يعود معنى الاستقلال مجرّد استعادة لحظة 1943، بل القدرة على صياغة "ميثاق سيادي" جديد، يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمقاومة والجيش والحدود، تحت سقف واحد لا تحت سقوف متوازية أو متنافرة. فهل يستطيع اللبنانيون إنتاج تعريف واحد لـ"المصلحة الوطنية العليا" يجمع بين ضرورات الردع وحاجة الدولة إلى قرار موحَّد، أم يبقى العيد مجرّد ذكرى، فيما الاستقلال الفعلي معلّق بين صدى المدافع وحدود الخرائط التي تُرسَم في أماكن أخرى؟!.





















































