تُراهُ كانَ يُدرِكُ يَومَ رَسَمَ أوَّلَ أُسقُفٍ عَلَيها، بَيروتُ، أنَّ خَمسَةً مِن خُلَفائِهِ سَيَحُجُّونَ إلَيها وَيَنحَنونَ أمامَ بَهاءِ ثَباتِها في بَتولِيَّةِ الحُرِيَّةِ القُصوى: حُرِيَّةِ البُنُوَّةِ الدافِقَةِ مِنَ اللهِ. خَلاصاً. قيامَةً أبَداً: يوحَنَّا الثالِثُ والعِشرونَ (وَكانَ بَعدُ الكاردينالُ رونكالي) موفَداً خاصَّاً لِلبابا بيوُّسَ الثانيَ عَشَرَ في العامِ1954 ، بولُسُ السادِسُ في السَنَةِ 1964، يوحَنَّا-بولُسُ الثانيُ ذاكَ العامَ 1997، بِنِديكتوسُ السادِسُ عَشَرَ ذاتَ 2012، وَلاوُنُ الرابِعُ عَشَرَ في تِلكَ ال2025، وَسادِسُهُمُ، فرَنسيسُ، رامَ لَمسَ جِراحَ المَسيحِ فيها ذاتَ 2022 وَعاكَسَتهُ غَوغائِيَّاتٌ، فَصاحَ بِأهلِها: "تَشَجَّعوا أيُّها الإخوَةُ! لِيَكُنِ الإيمانُ والصَلاةُ قوَّتَكُمُ! لا تَتَخَلّوا عَن بُيوتِكُمِ وَتُراثِكُمِ. لا تُسقِطوا حُلُمَ الَذينَ آمَنوا بِمُستَقبَلِ بَلَدٍ جَميلٍ وَمُزدَهِرٍ..."، وَصَرَخَ بِالرُعاعِ مُجابِهي حَقيقَةَ لبنانَ فيها: "لبنانُ، البَلَدُ الحَبِيبُ، كَنزُ الحَضارَةِ والحَياةِ الرُّوحِيَّةِ، الَذي شَعَّ الحِكمَةَ والثَقَافَةَ عَبرَ القُرُونِ، (...)، لا يُمكِنُ أن يُترَكَ رَهينَةَ الأقدارِ أو الساعينَ بِدونِ رادِعِ ضَميرٍ وَراءَ مَصالِحِهِمِ الخاصَّةِ"؟
هوَ بُطرُسُ-الصَخرَةُ، عَلى ما أسماهُ المُعَلِّمُ-الفاديُ في المَقلِبِ الآخَرِ لِلبنانَ: حَرَمونَ، ذاتَ عَشِيَّةَ حَجِّهِ الطَوعيِّ صَوبَ مَدينَةِ فِدائِهِ البَشَرِيَّةَ، أورشَليمَ، مَن رَسَمَ كوارتُسَ Quartus أُسقُفَها الأَوَّلِ، بَيروتَ العَذراءَ: ثَباتُ الروحِ لِكيانِيَّةِ الروحِ. الطالِعَةُ غَلَبَةَ الإيمانِ على فَنائِيَّاتِ الجَوهَرِ، حِصنَ النورِ لِلوجودِ.
بَيروتُ العَذراءُ!
وَهوَ كوارتُسُ البَيروتِيُّ مَن أرسَلَ سَلامَهُ الى أهلِ روما، عَلى ما يَذكُرُ القِدِّيسُ بولُسُ في رِسالَتِهِ إلَيهِمِ ‒رِسالَةُ الحَياةِ في المَسيحِ آدَمَ الجَديدِ، مَن بِهِ الخَلاصُ مِن سَقطَةِ آدَمَ الأوَّلِ، رافِضِ حَقيقَةِ اللهِ بِتأليهِ ذاتِهِ‒: "يُسَلِّمُ عَلَيكُمُ (...) أخونا كوارتُسُ" (روما 16/23).
إلى روما إمبراطورِيَّةِ تَعميمِ إلغائِيَّاتِ فَراداتِ الشُعوبِ وَمَواطِنِها، أرسَلَ كوارتُسُ سَلامَ بَيروتَ العَذراءَ، الآتِيَ مِنَ اللهِ لِأبناءِ البَشَرِ. سَلامُ تَواصُلِ التَراكُمِ الحَيِّ لِأبناءَ مِلءُ حُرِيَّتِهِمِ: خَيارُهُمُ أن يَكونوا "فاعِلي سَلامٍ" فَـ"يُدعَونَ أبناءَ اللهِ". بِهِ يَستِحِقُّونَ بُنوَّتَهُمِ، لِأنَّهُ وَحدَهُ ذاكَ السَلامُ نِعمَةُ الغَلَبَةِ عَلى جَبَروتِ القُوَّةِ المُبيدِ-البائِدِ.
بَيروتُ العَذراءُ!
قُلتُ: لا تُزارُ بِوَجيزٍ مُبطِلٍ أو مُستَعيبٍ، بَل إلَيها يُحَجُّ بِصِدقِ أصالَةِ الإفتِخارِ بِإنتِماءٍ؟.
ألَيسَ يوحَنَّا-بولُسُ الثانيُ مَن إعتَرَفَ صائِحاً: "ها نَحنُ مُجتَمِعونَ في القَلبِ التاريخيِّ لِبَيروتَ، ساحَةِ الشُهَداءِ؛ وأنتُمُ سَمَّيتُموها ساحَةَ الحُرِيَّةِ والوِحدَةِ"؟.
وِحدَةُ الإفتِخارِ
بَيروتُ العَذراءُ!
وَلا مُحيلَ. مِن كوارتُسَها الأوَّلِ الى كُلِّ كوارتُسَ فيها، فَضيلَةُ الدَينونَةِ بِالحُرِيَّةِ. قُلّ: مِن إستِحقاقِ الطَهارَةِ الَّلاهِبِ الى صَفاءِ الإستِحقاقِ الحَقِّ. مِنَ الكُلِيَّةِ العَظيمَةِ الأمانَةِ الى السِعَةِ الثاقِبَةِ لِكُلِّ فَرادَةٍ. مِنَ المَحدودِيَّاتِ الفانِيَةِ الى الَّلامَحدودِ الوَهَّابِ إبداعَ الأبَدِيَّةِ.
هيَ تِلكَ: وِحدَةُ الإفتِخارِ بِها.
أوَلَيسَت وِحدَةَ الإنتِماءِ لِلبنانَ، ألْهُوَ إنتِماءُ الوِحدَةِ؟.
لبنانُ الَذي ما أبقَوا مِنهُ إلَّا مَوجاتِ أحقادٍ وَإقتِتالٍ وَتَهجيرٍ وَهُجراتٍ وَخَرابٍ. أولَئِكَ ألْمِن داخِلٍ كُرمى لِخارِجٍ مُستَعبَدٍ لِخارِجَ، إمتَشَقوا السِلاحَ مُتَحاصِدينَ لِخَوارِجَ، مُسَوِّينَ قِمَمَ السَماءِ بِالرَمادِ الجارِفِ الأحقادَ بِالثأرِ. بِالنارِ. بِالفَناءِ.
بَيروتَ عَذراءُ لبنانَ هيَ لبنانُ بَيروتُ العَذراءُ.
بِهِما يُبَدأُ مِن جَديدٍ، في إضطِرابِ تَجديفِ عالَمٍ يُهَدِّمُ نَفسَهُ بِنَفسِهِ.
هُما الواحِدُ-الأحَدُ.
وَقفَةُ الأمانَةِ الأخيرَةِ، بِوَجهِ كُلِّ روما-بابِلَ "أُمِّ بَغايا الأرضِ وَقَبائِحِها" (رؤيا 17/5)، الغانِيَةِ الساقَطَةِ، "السَكرى مِن دَمِ القِدِّيسينَ والشُهَداءِ" (رؤيا 17/6)، وَبِوَجهِ كُلِّ أورشَليمَ، مُبَدِّدَةِ تَنَوُّعَ الوِحدَةِ، "قاتِلَةِ الأنبياءِ وَراجِمَةِ المُرسَلينَ إلَيها" (مَتَّى 23/37)!





















































