اشار رئيس الحكومة نواف سلام الى ان المعضلةَ الأساسيّة وهي ان "الإسرائيليّين يقولون إنّهم لا يستطيعون الانسحاب ما لم يتمّ نزعُ سلاحِ حزبِ الله، ويقول حزب الله: كيف يمكننا نزعُ سلاحِنا ما دام الإسرائيليّون لا ينسحبون؟". وأضاف: "يَعرِف حزبُ الله أنّ الأمور تغيَّرت في المنطقة، لكنّه لا يزال يحاول المقاومة"، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".
وذكر سلام، بحسب التقرير، أنّ "وقف الأعمال العدائيّة" المزعوم يشكّل مصدرَ إحباطٍ عميق للحكومة اللبنانيّة. واوضح بانه "لدينا لاعبٌ منفلت يتصرّف كهيمنةٍ تحت قيادة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو، الذي يزداد قوّةً يومًا بعد يوم." وتابع: "في الوقت نفسه، هناك جيلٌ جديد في العالم لم يَعُد يحتمل السلوك الإسرائيلي."
ولفت سلام الى ان إسرائيل كانت قد تعهّدت في هدنة العام الماضي بالانسحاب من لبنان خلال 60 يومًا، لكنّها "بقيت في خمس نقاط على التلال"، وقد أثار هذا الموضوع مرارًا مع اللواء جاسبر جيفرز الثالث، الضابط الأميركي الذي قاد لعدّة أشهر "آليّة المراقبة" الخاصة بوقف إطلاق النار، من دون نتيجة.
واوضح سلام، بحسب تقرير "نيويورك تايمز"، أنّه قال للجنرال الأميركي بانفعال: "لسنا في عام 1914 أو 1915، لمراقبة ما يجري حولك، لستَ بحاجةٍ إلى أن تكون على قمّة تلٍّ يرتفع 700 متر ومعك مناظير أو تلسكوب غاليليو، لدى إسرائيل صورُ أقمارٍ صناعيّة وطائراتٌ مُسيَّرة وبالوناتٌ مزوّدة بأكثر الكاميرات تطوّرًا على وجه الأرض."
واوضح سلام بانه "في اليوم نفسه تلقّى اتصالًا من "آليّة المراقبة" التي تقودها الولايات المتحدة وفرنسا لتقييم الالتزام بوقف إطلاق النار في لبنان، أبلغته فيه بأنّها عقدت "اجتماعًا ممتازًا"، وبعد نصف ساعة تلقّى اتصالًا آخر يُبلِّغني بمقتل خمسة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال، بضربةٍ إسرائيليّة بطائرة مُسيَّرة في بنت جبيل." أردف: "أشعر بالإحباط، لكن ما الفائدة من الاحتجاج مرّةً بعد مرّة؟".
وفي السياق، اشار توم باراك، سفير الولايات المتحدة في تركيا والمبعوث الخاص إلى لبنان وسوريا، قال للصحيفة إنّ إسرائيل ستردّ "في أيّ وقت، وفي أيّ مكان" إذا شعرت بأيّ تهديد.
وأضاف، في معرض حديثه عن الضربات ضد حزب الله: "عندما يجد الإسرائيليّون هؤلاء الرجال، يتخلّصون منهم فورًا، لذلك لديك اثنان أو ثلاثة منهم أسبوعيًّا يتمّ القضاء عليهم."
وأقرّ باراك بأنّ العقبات أمام نزع سلاح حزب الله "هائلة"، فالحزب في آنٍ واحد حزبٌ سياسيّ راسخ يتمتّع بدعمٍ شيعيّ واسع، وجماعةٌ مُصنَّفة أميركيًّا على أنّها "إرهابيّة". وتابع: "إذا كنتَ جنديًّا في الجيش اللبناني وتتقاضى 300 دولار في الشهر، فعليك أن تعمل ثلاث وظائف، أنت سائق أوبر، وبارِسْتا، وجندي."
ثم أضاف، في تصويرٍ لصعوبة المهمّة: "ثم تذهب لتطرق باب بيتٍ شيعيّ يوم الاثنين وتقول: "آسف يا رجل، هل يمكنني الدخول إلى قبو بيتك لأخذ الكلاشنيكوفات؟"، وأنت بذلك تُخاطر بحياتك." ومع ذلك، شدّد على أنّه "لا بدّ أن يكون هناك جيشٌ واحدٌ فقط" في لبنان.
واشارت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير موسَّع لها يرصد واقع وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله بعد عامٍ على إعلانه، وكيف تحوّل هذا الوقف إلى حالةٍ رمادية بين الحرب والسِّلم في لبنان، على خلفيّة سياسةٍ إسرائيليّة تقوم على الضربات الاستباقيّة، ورؤيةٍ أميركيّة تربط الاستقرار بالازدهار الاقتصاديّ لا بالديمقراطية، فيما يدفع المدنيّون الثمن الأكبر على جانبيِ الحدود، وفق الصحيفة.
ورأى التقرير أنّ هذا الواقع يمثّل صورةَ وقفِ إطلاقِ النار بين إسرائيل وحزب الله، الذي تمّ التوصّل إليه قبل عامٍ كامل، لكنّه وقفٌ تخرقه ضرباتٌ إسرائيليّة شبهُ يوميّةٍ تستهدف الحزب، من بينها اغتيال أحد قادته الكبار في بيروت خلال الأسبوع نفسه. هذه الضربات، كما يصفها التقرير، تُجسِّد حالة "سلامٍ مُتآكل" يعيشها لبنان في منطقةٍ رماديّة بين الحرب والسِّلم، وهو مصيرٌ قد يكون مشابهًا لما تنتظره غزّة، حيث ترفض حركة "حماس" نزعَ سلاحِها، وتواصل إسرائيل قصف أهدافٍ منتقاة.
واشار إلى أنّ الحرب التي امتدّت إلى لبنان بعد هجوم "حماس" على إسرائيل في 7 تشرين الأوّل 2023 قد تباطأت، لكنّها لم تتوقّف قط.
وذكر التقرير بان الحالة في لبنان تقدّم مثالًا واضحًا على شرقِ أوسطٍ جديد تتزايد فيه قدرةُ إسرائيل على الوصول عسكريًّا إلى معظم الجبهات المحيطة بها. وقد أصبح "محورُ المقاومة" بقيادة إيران، الذي كان حزبُ الله جزءًا محوريًّا فيه، ظلًّا لما كان عليه. فإيران أُنهِكت في حربٍ قصيرة في حزيران، وباتت أضعف، بينما فقدت سوريا، بعد سقوط نظام بشّار الأسد العام الماضي، موقعَها كحليفٍ أساسيّ لطهران، ولم تَعُد الممرَّ الذي ينقل السلاح الإيراني إلى حزب الله كما في السابق. ومع توسّع الضربات الاستباقيّة الإسرائيليّة في دولٍ عدّة، باتت هذه الضربات "القاعدة الجديدة"، لا الاستثناء.
ولفت التقرير إلى أنّ الحرب التي شنّتها إسرائيل في غزّة في عهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والتي قُتل فيها عشراتُ الآلاف من الفلسطينيّين، ألحقت ضررًا بصورة إسرائيل، وعمّقت عزلتَها عالميًّا، وزادت الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، بحيث لم يَعُد واضحًا ما إذا كانت إسرائيل قادرةً على تحويل تفوّق قوّتها العسكريّة إلى أمنٍ استراتيجيّ مستدام.
واكد تقرير "نيويورك تايمز" أنّ تحقيق هدف نزع سلاح حزب الله لن يكون سهلًا، فالحزب الضعيف ليس حزبًا بلا قوّة. الأموال لا تزال تتدفّق إليه عبر تجارةِ المخدّرات وطرقٍ أخرى، وعددُ مقاتليه يُقدَّر بعشرات الآلاف، فيما يبقى المزاجُ متحدِّيًا في مناطق نفوذه، خصوصًا في الضاحية الجنوبيّة ذات الغالبيّة الشيعيّة في بيروت.