بو إلياس قال لي هالكلمة بجلْسة طويلة سنة 2005، بجلسة كانت بعدها السياسة نار مش رأي، والنقاشات فيها بتغلي مثل إبريق الشاي، عم نتصارع بين “عنفوان” و”تحمّس حزبي” و”تهوّر وطني”… وما كان حدا منّا يوفّر الثاني بحجّة أو بموقف.
وقتها، وسط الجدال، عطاني جملة بقيت معلّقة براسي: إنّو في أشياء عم بتشدّنا للبنان أكتر من المنطق…
وكلّو الحقّ ع فيروز. واليوم، بعد كل هالسنين، بقول: كان معو حق.
هناك حقيقة علمية ما حدا بدّو يعترف فيها: لبنان… بكل أرقامه ومؤشّراته وفضائحه وانقطاعاته… بلدٌ يُفترض أن نبتعد عنه. بلدٌ لو طبّقنا عليه المنطق البارد، كنّا من زمان صرنا شعوباً مختلفة، بلا حنين، بلا ذاكرة، وبلا عقد عاطفية.
لكن ثمّة عنصر خارجي اخترق جهاز المناعة الوطني… اسمها فيروز. فيروز التي تتسلّل إلى تفاصيلنا وتربطنا ببلد لا يعطينا شيئاً ويأخذ منّا كل شيء. فيروز التي، حتى بعد أربع عشرة سنة بعيد، بعدهذا قادرة أن تجعلني أشعر بأنّي “راجع غصب عنّي”… ولو كنت عالقاً بين مطارين.
العقل يقول لك: انسَ.
الإحصاءات تقول: ابتعد.
المؤسسات تقول: اقطع الأمل.
وفيروز، بكل بساطة، تقول لك: جرّب بعد شوي… يمكن البلد يرجع يضبط حالو هالمرة.
كيف بدّك تكره بلد عنده مُحرّض عاطفي بهذه الخطورة؟
نحن جيل تربّى على صوت خلق وطناً موازياً… وطناً أنقى من الحقيقة، أقرب للفكرة منه للواقع. جيل يعيش في لبنانَيْن: لبنان الشعر، ولبنان الحياة اليومية. والمعضلة أنّ الأوّل أجمل بلا مقارنة… والثاني يحمل وجهاً لا يشبه الصورة.
من كام يوم، وتحضيراً لعيد الاستقلال، بناتي بلّشوا متل عادة كل هالولاد يتعلّموا أغنية لفيروز، وهالمرة كانت “بتتلج الدني”. ومثل كل سنة، الغنية صارت تدور بالبيت من الصبح للمسا… سالم يلي غفلان مش بردان، نايم عتلة يلي بتضل تصلي وناطر زهر اللوز بنيسان مليان قلبو الإيمان ومغطى بعلم لبنان. هالشخصيّة صارت بطل صغير ببيتنا، أصدق وأهمّ من كتار بيعملوا حالن أبطال عالمنابر، وبكل براءتن، سالم قدر يقنعهن إنّو لبنان أحلى بلد بالعالم.
وبتصير واقف بين خيارين…
بدّك تصارحهن إنه البلد لازم يكون هيك بس اليوم مش هيك؟ أو تتركهن يعيشوا نفس الخرافة الجميلة اللي نحنا تربّينا عليها لحدّ ما يكبروا ويصطدموا بالحقيقة وحدهم؟
المشكلة مش بفَيروز… المشكلة إنّو ما خلّينا البلد يشبهها. بعد سنوات من الاغتراب، تكتشف أنّ فيروز لم تخدعنا. هي فقط أعطتنا النسخة التي كان يجب أن نكونها.
نسخة تركناها تهرب من بين أيدينا، بينما كنّا مشغولين نتفرّج على الدولة وهي تتفتّت.
نلوم السياسيين، نعم.
نلوم الأنظمة، نعم.
نلوم التاريخ، أكيد.
لكن لا يمكن أن نبقى نلوم فيروز لأنّها ربّت فينا حبّ وطن لم يعرف كيف يربّي أبناءه.
ولأنّ الحب وحده لا يكفي… صار الوقت نرجّع نربّي الانتماء. إذا بدنا هوية ما تنتهي عند حدود أغنية، لازم نعيد التفكير بطريقة تربيتنا الوطنية. يجب أن نعيشه، نمارسه، نحتكّ فيه، نتعلّم منه ونحمل جزءاً من مسؤوليته. ومن هون تأتي الفكرة التي يعتبرها البعض “رجعية”، بينما هي ربما أكثر حداثة من كلّ خطابات الإصلاح:
إقرار قانون يجعل الالتزام المدني جزءاً من التربية اللبنانية من المدرسة. مش لنعيد اختراع الوطنية، بل لنرجّعها لفعل مش لكلام.
لأنّو بصراحة…
الحكي صار شكل من أشكال الالتزام بدل الفعل. كلّنا صار فينا نحبّ لبنان بالكلام، نحكي عن الإصلاح بالكلام، ننتقد بالكلام، وحتى نربّي ولادنا على لبنان بالكلام. بس البلد ما بيتغيّر بالكلام. لهيك، المسار المدني مش فكرة عاطفية هو طريقة بسيطة نقول فيها إنّو الانتماء ما بقا الوراثة ولا التبعية المبكرة… الانتماء صار لازم ينبنى بتجربة:
سنتين أو ثلاثة من خدمة حقيقية. كشافة، إسعاف، دفاع مدني، أو تدريب نظامي كافية لحتى الشاب يشوف البلد قبل ما يحكم عليه، ويخدم الناس قبل ما يسمع شعاراتهن، ويقرب من مؤسساته قبل ما يلعنها. مشروع صغير… بس بيعمل فرق كبير: بيخلق مواطن… قبل ما يخلق مناصر.
الخلاصة: فيروز أعطتنا لبنان… ودورنا نُعيد خلقه. يمكن نضحك ونقول “كلّو من فيروز”. لكن الحقيقة أنّها فقط أعطتنا الشرارة الأولى. الباقي مسؤوليتنا نحن. لبنان لا يجب أن يبقى فكرة شعرية ولا موسيقى نقاوم فيها الغربة.
لبنان يجب أن يعود تجربة…
والتجربة يجب أن تتحوّل التزاماً…
والالتزام يجب أن يصبح قانوناً…
والقانون يجب أن يبني مواطناً… لا مجرّد مستمع لأجمل صوت في المنطقة.
كمال يوسف الحاج كان يقول: “أن لبنان ليس وطناً يُسلَّم جاهزاً، بل هو وطنٌ يُعاد خلقه في كلّ جيل، وكلّ يوم، وكلّ لحظة وعي”. وطنٌ لا يُكتَب له البقاء إلا إذا ظلّ أبناؤه في عملية “تأسيس مستمر”، لا يتعاملون معه كتراث ثابت، بل كمشروع مفتوح… مشروع يحتاج إلى دماء جديدة، وإلى انتماء يُمارَس، وإلى تربية مدنية تُعيد وصل ما انقطع. وهيدا جوهر الفكرة كلّها: أن ننتقل من لبنان الذي ورثناه في الأغاني، إلى لبنان الذي نُعيد نحن بناءه باليد، وبالقانون، وبالهوية المُعاشة. أن نتحوّل من مستخدمين لوطن… إلى مُنشئين لوطن. وإذا كانت فيروز قد جعلتنا نُحبّه، الحب وحده لا يكفي، وأنّ الوطن الذي لا نُعيد خلقه… بيخلق ظروف ليخسرنا.
عيد استقلال سعيد… نقولها لأنّو لازم، وبنضل نأمل إنو يصير إلها معنى.