كثُرت في الآونة الأخيرة الشعارات الرنّانة حول "مكافحة الفساد" و"الاصلاحات" في الجسم القضائي خصوصاً، حسناً هذا كلّه جيّد ولكن يبقى كلّ هذا مجرّد كلام "وحبر على ورق" دون أي نتيجة تُذكر، في غياب "العُدّة" التي يمكن من خلالها التنفيذ. فماذا يحصّل القضاة حتى يقوموا بعملهم بشكل سليم؟ أين الملاحقات القضائية في ظلّ غياب الأموال واكتظاظ السجون؟...
كلّها أسئلة تُطرح وتأتي الاجابة عليها من مكان واحد ميزانية "وزارة العدل" التي تبلغ 0.5%، وهي أدنى ميزانية على الاطلاق، وللتأكد من ذلك يجب النظر إلى الميزانية الأخرى في المحيط العربي، مع العلم أنه وفي فرنسا ميزانية وزارة العدل توازي ميزانية وزارة الداخلية والدفاع.
"تعتبر الميزانية التي تخصّ القضاء أو العدل متدنيّة جداً". هذا ما أكدته مصادر قضائية لـ"النشرة"، لافتة إلى أنه "في لبنان لم تتخطَّ 0.5% بالمئة في حين أنها في دول أخرى كالدول العربية بلغت 2%"، والسؤال الأهم الذي يتبادر إلى الاذهان: ماذا يعني أن يكون لدى القضاء ميزانية جيدة توزاي ميزانية الدول الأخرى؟.
أولاً، تشرح المصادر بأن "القضاء ليس فقط قضاة بل وماكينة قضائية، أي مساعدين قضائيين وتجهيزات وخبراء، وهذا كلّه يجب أن يسير بشكل صحيح، بينما الحقيقة أن القضاء ليس لديه إمكانيّة ليكافح الفساد، واليوم كلّ ما يفكّر به القاضي هو ما هو الأجر الذي سيتقاضاه في نهاية الشهر"، لتعود وتشير المصادر إلى أنه "قبل الأزمة كان الوضع مختلفاً للرواتب، ولكن ليس كذلك بالنسبة للامكانات".
"ليس هناك مكننة للقضاء". هذا ما تؤكده المصادر، لافتةً إلى أن "الأوروبيين أتوا إلى لبنان وقدموا مشروعا يتضمن عشرة ملايين يورو للمكننة، ولم يحصل شيء ولازلنا حتى اليوم لا نستطيع أن نعرف كم هو عدد دعاوى الفساد في لبنان مثلاً"، أكثر من ذلك تلفت المصادر إلى أن "هناك مشكلة حقيقية في الملاحقات القضائية التي على القضاء أن يقوم بها وهذا لا يحصل فعلياً، فمثلاً المرأة إذا تقدمت بشكوى أن زوجها يعنّفها أمام القضاء فهو لا يتحرك ولا يفعل شيئاً".
وتشدّد المصادر على أن "المحيط العربي على سيّئاته أفضل منا"، وتساءلت "هل هناك من دولة عربية ليس لديها مكننة للقضاء؟ حتى السلطة الفلسطينية لديها مكننة للقضاء والدولة اللبنانية لم تصل إليها بعد"، مشيرةً إلى أنهم "يقولون إننا وضعنا على اللائحة الرمادية، فماذا تفعلون للخروج منها؟. بالمختصر لا ارادة بوجود دولة قانون، وما يقومون به فعلياً هو عدم اعطاء الصلاحيات للسيطرة عليه بشكل كامل".
إذاً، لا يمكن للبنان أن يتحدث عن دولة القانون أو يتحدث عن قوانين اصلاحية قبل القيام بالاصلاحات القضائيّة اللازمة، وأولها تخصيص موازنات للقضاء لتفعيل مكافحة الفساد وليس تقليصها لاستشراء الفساد.