تخفي التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، تحديداً في فلسطين وسوريا ولبنان، على المستويين العسكري والسياسي، في مرحلة ما بعد عملية "طوفان الأقصى"، خلفها صراعاً لا يزال مستمراً على المستوى الإقتصادي، هو المحرك الأهم للتوترات، واللاعب الأساسي في حالة الإستقطاب على المستوى الإقليمي.
في هذا السياق، من المفيد العودة إلى التطور الأبرز، من الناحية الإقتصادية، الذي سبق "طوفان الأقصى"، حيث وقعت أميركا والسعودية والإمارات والهند وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي، على هامش قمة العشرين التي عقدت في نيودلهي في أيلول 2023، مذكرة تفاهم لإنشاء ممر اقتصادي، يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا.
هذا المشروع وضع، منذ لحظة توقيعه، في إطار الرد على مشروع "الحزام والطريق"، الذي طرحته الصين في العام 2013، لكنه كان، بشكل أو بآخر، يتضمن تحدياً يتعلق بترتيب العلاقة بين الرياض وتل أبيب، مع العلم أن الإعلان ترافق مع الحديث عن إتفاق تطبيع بين البلدين، إلا أن الأمور لا تزال عالقة عند إصرار السعودية على أن يسبق ذلك معالجة الملف الفلسطيني.
إنطلاقاً من ذلك، وضعت "طوفان الأقصى"، من قبل بعض الأوساط، في إطار السعي إلى إسقاط هذا المشروع، لكن ما يهم، في الوقت الراهن، قراءة الصراعات الحالية من منطلق المشروع نفسه، خصوصاً أن هناك العديد من المؤشرات التي تعزز هذه الفرضية، بعد التحول الذي شهدته الساحة السورية، أي سقوط النظام السابق، بالإضافة إلى تراجع حضور معظم حلفاء إيران.
في هذا الإطار، تشير مصادر متابعة، عبر "النشرة"، إلى أن أميركا تبقى القائد لهذا المشروع، الذي يكرس الشرق الأوسط منطقة نفوذ لها، بعيداً عن الطموحات الصينية، لكن هذا لا يلغي الخلافات بين حلفائها في المنطقة، لا سيما أن التحول السوري أفرز إستقطاباً جديداً، يتمثل بالتفاهم السعودي التركي، في مقابل رغبة إسرائيل في أن تكون متزعمة أي إطار جديد، من منطلق حديثها المتكرر عن تغيير وجه الشرق الأوسط.
بالعودة إلى المشروع المذكور، فهو يتكون من ممرين: الممر الشرقي الذي يربط الهند بدول الخليج، والممر الشمالي الذي يربط دول الخليج بأوروبا عبر الأردن وإسرائيل، أي أن خريطة المشروع، التي طرحت في ذلك الوقت، كانت تشير إلى أنه سيمتد من الهند إلى الإمارات، عبر بحر العرب، ثم يعبر السعودية والأردن وإسرائيل، قبل أن يصل إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، إلا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد رأى، حينها، أن بلاده هي الخط الأكثر ملاءمة، قائلاً: "لن يكون هناك ممر دون تركيا".
بناء على ما تقدم، تضع المصادر نفسها مجموعة من النقاط، التي تُفسر من قبل العديد من الأوساط ضمن إطارها الضيق، دون ربطها بما هو مطروح على المستوى الأكبر، أبرزها التركيز الإسرائيلي على السيطرة على الجنوب السوري، التي تعني حكماً منع التقليل من الإعتماد عليها في هذا المشروع، على إعتبار أن الواقع الجديد في سوريا يسمح بأن يمتد الممر من الأردن بإتجاه سوريا، على أن يصل، بعد ذلك، إلى البحر المتوسط أو نحو تركيا.
ما ينطبق على الواقع السوري، يشمل أيضاً الساحة اللبنانية، حيث لا يمكن تجاهل الحديث الإسرائيلي المتكرر عن تفاهمات إقتصادية، في المرحلة التي تلت الإعلان عن توسع إطار الميكانيزم، في حين أن الجانب الأوروبي لا يريد أن يمثل المسار النهائي عامل ضغط عليه، عبر وضع المشروع في يد الجانب التركي، الحاضر الأبرز في سوريا، خصوصاً أن روسيا أيضاً تحتفظ بوجودها في الساحل من خلال قواعدها العسكرية.
هنا، تشير المصادر المتابعة إلى نقاط إضافية، تبدأ من الإعتراض التركي على إتفاق ترسيم الحدود بين لبنان وقبرص، ولا تنتهي عند القمة التي عقدت، في الأيام الماضية، في إسرائيل، حيث جمعت، بالإضافة إلى نتانياهو، رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس، خصوصاً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أعلن، بعدها، أن الدول الثلاث تعتزم المضي قدماً في مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
بالنسبة إلى هذه المصادر، هذا الواقع يُفسر ما يُطرح من بعض الدول الأوروبية، في الوقت الحالي، عن الرغبة في البقاء العسكري في جنوب لبنان، بعد إنتهاء ولاية "اليونيفيل"، الأمر الذي يصطدم، في المقابل، بالعلاقة السلبية بين باريس وتل أبيب في مقابل العلاقة الجيدة بين باريس والرياض، حيث هذه الرغبة لا تقتصر على ما هو معلن، لناحية الرغبة في دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على الإستقرار في الجنوب، بل تشمل أيضاً مصالح تلك الدول، التي هي على علاقة متوترة مع الجانب التركي.
في الختام، تدعو المصادر نفسها إلى عدم تجاهل الصراع على خطوط إمدادات الغاز، حيث يبقى "منتدى غاز شرق المتوسط"، الذي يضم مصر وفلسطين والأردن وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا وفرنسا، هو الإطار الأبرز، مع العالم أن فرنسا وإيطاليا حاضرتان في عمليات التنقيب في لبنان، بينما تُعتبر تركيا الغائب الأبرز والمنافس لهذا المنتدى، مع العلم أن قطر، حليفة تركيا، حاضرة في كونسورتيوم التنقيب اللبناني، حيث يبقى السؤال الأبرز عن قدرة واشنطن على رعاية هذه التناقضات، في ظل وجود تيارات متعددة تتنافس داخلها؟.






















































