لا خَفيَّ في التاريخِ. وَلا خُروجَ لِلتاريخِ عَن ذاتِهِ.
سيادَتُهُ مَحضُ حُرِيَّتِهِ، وَوَحيُهُ أنَّهُ يَنفُذُ الى الإنسانِ. وَلَولا هَذا المُطلَقُ لَما نَفَذَ الإنسانُ إلَيهِ في ما بَلَغَهُ. أشاهِدٌ هوَ التاريخُ، وَكَفى؟ كِفايَتُهُ أنَّهُ نابِضٌ عَبرَ الدُهورِ، وَفاعِلٌ في وِحدَةِ الإنسانِ الجامِعَةِ، مِنَ الإيمانِ الى العَقلانِيَّةِ وَمِنَ العَقلانِيَّةِ الى الإيمانِ.
الحاضِرُ الَيومَ أغوارٌ... تَرمي دحَضَ لبنانَ تَحَرُّقَ التاريخِ.
قُلتُ: التاريخُ تَحَرُّقٌ؟ بَل لبنانُ-التاريخُ تَحَرُّقٌ لِلحَقيقَةِ.
وَها المُفاجَأةُ مِن غَورِ القَفرِ.
يَذكُرُ Epiphanius Constantiensis، الأُسقُفُ القِدِّيسُ وأحَدُ آباءِ الكَنيسَةِ في القَرنِ الرابِعِ، في مؤَلَّفِهِ Panarion Πανάριον أنَّ الأنباطَ، الَذينَ بَسَطوا سَيطَرَتَهُمُ مِن جَنوبِ سوريا إلى العُلا في المَمَلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُعودِيَّةِ، مُروراً بِصَحراءِ النَقَبِ وَشِبهِ جَزيرَةِ سيناءَ، عَبَدوا الإلَهَ Doushara Ḏū l-Šarā ذو الشَرى، نِسبَةً الى قِمَّةِ الجَبَلِ قُربَ بِترا، العاصِمَةِ. وَهوَ "حاميَ المُلوكِ"، عَلى ما وَصَفَهُ Stéphanos Byzántios جُغرافِيُّ القَرنِ السادِسِ. وَعَلَيهِ، فَإنَّ ذو الشَرى تَعبيرٌ يَدُلُّ عَلى مَنزِلَةٍ سامِيَةٍ، إذ يُشيرُ إلى الإِلَهِ القائِمِ في ذُروَةِ الأعاليَ. وَمِن أكثَرِ الطُقوسِ شُيوعاً في الديانَةِ النُبطِيَّةِ تَكريمُهُ بِالأحجارِ المَنصوبَةِ لَهُ المَعروفَةِ بإٍسمِ baetyl ˈbiːtɪlأيّ بِالأصلِ الُلبنانِيِّ-الآرامِيِّ "بَيت-إيل" bet-El، وَيَعني "بَيتَ الإِلَهِ".
عِلماً أنَّ أشهَرَ بَيت-إيل وَرَدَ في الكِتابِ المُقَدَّسَ وَهوَ حَجَرُ يَعقوبَ بِن إسحاقَ وَحَفيدَ إبراهيمَ، (سِفرُ التَكوينِ 28/11–22). فَقَد جَعَلَ يَعقوبَ هَذا الحَجَرَ وِسادَةً أسنَدَ رأسَهُ إلَيهِ وَغَفا. وأثناءَ نَومِهِ رأى في الحُلُمِ "سُلَّماً رأسُهُ يُلامِسُ السَماءَ." وَعِندَما إستَيقَظَ، أدرَكَ أنَّ الحَجَرَ الذي نامَ عَلَيهِ مُقَدَّسٌ، فَنَصَبَهُ مَسَلَّةً وَسَكَبَ الزَيتَ عَلى قِمَّتِهِ، ثُمَّ أطلَقَ عَلى المَكانِ إسمَ "بَيت-إيل."
أمَّا البَيت-إيل النُبطِيُّ الأشهَرُ فَكانَ قائِمًا في قَلبِ بِترا، داخِلَ مَعبَدِ "قَصرِ العَذراءَ." وَخِلالَ عِيدِ مِيلادِ ذو الشَرى، العيدِ السَنَويِّ الكَبيرِ، يَذكُرُ Epiphanius أنَّ المؤمِنينَ كانوا يُنشِدونَ تَرنيمَةً بِالعَرَبِيَّةِ تُمَجِّدُ والِدَتَهُ Chaamou. وكانَ ذو الشَرى نَفسُهُ، إبنُ العَذراءِ، يُلَقَّبُ بـِ"الإبنِ الوَحيدِ لِلرَبِّ" (Panarion II, 51, 22, 11)، وَيُشيرُ الى أنَّ هَذا العيدَ كانَ يُحتَفَلُ فيهِ الى المَعبَدِ الكَبيرِ في بِترا، في كُلٍّ مِن مَعبَدِ ألوُسا النُبطِيَّةِ في النَقَبِ، وَفي الإسكَندَرِيَّةِ. وَإذ يورِدُ أنَّ الإغريقَ كانوا يُطلِقونَ عَلى ذو الشَرى إسم Aiôn وَمِعناهُ "الإلَهُ الفَتيُّ ألْيُجَسِّدُ الأبَدِيَّةَ"، فَإنَّهُ يُؤَكِّدُ أنَّهُ الإلَهُ الإبنُ لِلإِلَهِ الأَبِ والإِلَهَةِ الأُمِّ-العَذراءِ (أيَ الثالوثِ الُلبنانِيِّ-الفينيقيِّ)، المَصدَرُهُ بيبلوسَ وَصورَ وَصَيدا وَسائِرَ الحاضِراتِ الُلبنانِيَّةِ-الفينيقِيَّةِ.
الناموسُ القِمَمِيُّ
أفي لبنانَ وَمِنهُ، صَكَّ الناموسُ القِمَميُّ هَذا بُلوغَ الوِحدَةِ فوَقَ ثالوثِيَّةِ أغوارٍ: القَفرُ، والعِبرانِيِّينَ، وَمَغارِبَ التَأغرُقِ؟ بَل مِنهُ وَفيهِ، التاريخُ تَحقيقُ قِمَمِيَّةِ هَذا الناموسَ الإيمانِيَّ في رؤيَةٍ مُحكَمَةٍ.
ذاكَ لبنانُ: إنبِساطُ شَراكَةٍ في الكامِلِ؟
التاريخُ تكامُلٌ وَإكتِمالٌ... في الحَقيقَةِ. والحَقيقَةُ كُلُّ الحَقِّ.
الحاضِرُ اليَومَ غَريقُ القَهقَرى في أضاليلَ داسَتها الحَقيقَةُ. والبَعضُ يَركُنُ إلَيها، غَرباً مُتَناوِباً على عِشقِ الخُرافاتِ طَمَعاً بِحَضارَةٍ مِن عُقَيلَ لا روحَ فيهِ لِأنَّ الروحَ باتَ لَهُ عِبئاً، وَشَرقاً مُتَهاوياً في وَلَعِ الخُرافاتِ طَمَعاً بِتَفاعُلٍ يَبغيهِ إيماناً وَكُلُّ إيمانٍ مِنهُ بَراءٌ لِأنَّ العُقمَ يُوَلِّدُ إنكاراً يَقمَعُ بِالعُنفِ.
هوَ لبنانُ الأَوَّلُ حَتَّى كُلِّ الأَواخِرَ.
لبنانُ-النورُ لِلتاريخِ-التَحَرُّقِ يُعينُ القِمَمَ الوجودِيَّةَ. يَكفي الحاضِرُ والأواتيُ المُثولَ في حَضرَتِهِ لِيَتَعَيَّنا مآلَ الخَلاصِ!.




















































