هل تجاوزت الدولة اللبنانية قطوع المرحلة الاولى من خطة "حصرية السلاح" في جنوب الليطاني؟ وهل نجحت الحكومة من خلال الحديث عن "احتواء" السلاح في شمال الليطاني، لا البدء بخطة حصره، في شراء المزيد من الوقت مع الخارج عموما، والأميركيين خصوصا، مما يسمح بتمديد فترة السماح، اقله حتى الربيع المقبل، كما اوردت بعض تسريبات دبلوماسية؟
هذه الاسئلة، تحتاج الى المزيد من الوقت، كي تتضح معالمها على نحو جلي وواضح، كي يبنى على الشيء مقتضاه. لكن ما يمكن اعتباره امرا محققا، ولا يقبل اي التباس، نجاح رئيس الجمهورية جوزاف عون في ايجاد "مظلة" حماية داخلية، تجنب البلاد اي اهتزاز سياسي او امني، وتمنع انتقال الازمة الخارجية مع الاحتلال الاسرائيلي، الى الداخل، ما قد يسبب فوضى، وزعزعة للاستقرار المجتمعي، ويضع الجيش في مواجهة شريحة معتبرة من اللبنانيين.
وفي هذا السياق، كانت لافتة الصيغة المخرج التي "طبخت" في بعبدا قبيل جلسة الحكومة يوم الخميس، وذلك لحماية المؤسسة العسكرية من اي محاولة للمزايدة عليها، خلال جلسة مجلس الوزراء، فصدرت بيانات بالتدرج صيغت بعناية شديدة، اولا من قيادة الجيش، تلاها بيان رئاسي امن الحماية السياسية للقيادة في اليرزة، ومن ثم جاء بيان رئيس مجلس النواب نبيه بري ليمنح غطاء تشريعياً، لموقفي بعبدا وقائد الجيش، مما اضطرّ لاحقا رئيس الحكومة نواف سلام الى الحاق نفسه بهذا الاجماع، بعد جلسة مجلس الوزراء، التي جرى خلالها عزل الاصوات "النشاذ"، التي حاولت توتير الاجواء من خلال اقتراحات تهدد "السلم الاهلي"، لكن الحماية المسبقة للموقف الواقعي والعقلاني لقيادة الجيش، جرى تأمينها خلال الساعات القليلة الماضية، عبر سلسلة من الاتصالات المكوكية المكثفة، بقيادة مباشرة من رئيس الجمهورية، كما تشير اوساط مطلعة التي لفتت الى ان الرئاسة الاولى، كانت تعمل على خطين، الاول، الاتصالات مع الخارج لشرح الموقف اللبناني وخلفيات القرارات المتخذة، وثانيا، اجراء اتصالات داخلية لتامين انتقال سلس بين مرحلتي "جنوب الليطاني" "وشمال الليطاني"، في ظل انقسامات عامودية، بين فريقين سياسيين في البلد، تصل مواقفهم الحادة الى حد التصادم.
وفي هذا الاطار، تم ابلاغ الخارج، بأنّ لبنان انجز كل ما تعهد به في اتفاق وقف الاعمال العدائية، ولم يعد لديه ما يقدمه اكثر، "والكرة" الآن في "ملعب" اسرائيل، التي عليها ان تبدأ بتنفيذ التزاماتها، لان تمنّعها يعرقل تنفيذ ما تبقى من خطة الانتشار، في جنوب الليطاني، وجرى تذكير من يعنيهم الامر، في الاقليم، وعلى الصعيد الدولي، ان القرار السياسي والسيادي اللبناني، بإستعادة السيطرة على قرار السلم والحرب، ومنع استخدام لبنان منصة لأي مشروع خارجي، ليس مجرد شعار، بل تحول الى امر واقع لا ريب فيه، ولا يلقى عمليا اي اعتراض داخلي، حيث يتعاون ابناء الجنوب، دون تحفظ مع الجيش، كما ان الظروف التي أفرزتها الحرب الاخيرة، تجعل الفريق الحامل للسلاح اكثر واقعية، وتقبلا للحلول المطروحة على "الطاولة"، لكن "اسرائيل" لا تساعد على ايجاد الارضية الصالحة للبدء بمرحلة جديدة، عنوانها الاستعداد للتفاوض، بعيدا عن لغة التصعيد، ومحاولة فرض تنازلات "بالحديد والنار". هذه الاتصالات محورها التواصل المستمر مع الاميركيين، وغيرهم من الدول الصديقة، ولا تزال الاجوبة مبهمة وغير واضحة، تزامنا مع استمرار التصعيد الميداني الاسرائيلي، فيما يستمر الإعلام والمسؤولين الاسرائيليين "بالتهويل".
والى ان تنقشع ضبابية المشهد الدولي والاقليمي، اختار رئيس الجمهورية تحصين الوضع الداخلي، استعدادا لما هو قادم. هو يدرك ان مشكلة سلاح حزب الله خارج جنوب الليطاني، امر معقد، وليس ملفا داخليا، يدرك ايضا ان الحزب في ظل الظروف الراهنة، غير قادر على تقديم المزيد من التنازلات، وهو سمع من قيادة الحزب هذا الكلام، وهو امر عبر عنه علنا الشيخ نعيم قاسم، الذي ابدى الاستعداد للتعاون الكامل مع استراتيجية الدفاع الوطني.
ولهذا بالنسبة للرئيس عون، فإنّ زج الجيش في صدام داخلي، هو "خط احمر"، لن يقبل بأن يتجاوزه احد، وهو يشعر بالكثير من "الاشمئزاز" ازاء التصريحات غير المسؤولة، والتي تشجع على "المشكل" الداخلي، يوازن الامور بميزان من الذهب، وهو يعتقد راهنا انه نجح في تحييد الداخل، عن اي اهتزاز سياسي وامني، من خلال تفهّم "هواجس" الجميع، لا تنازل عن استعادة سيادة وهيبة الدولة، لكن دون حرق المراحل، بل عندما تصبح الظروف مناسبة، وهي ظروف خارجية، لا داخلية، ومسؤوليته الوطنية تحتم حماية السلم الاهلي، بإعتبار مقام الرئاسة "مظلة"، لجميع من يريد بناء بلد حر ومستقر.
نجح الرئيس داخليا، اما المعطى الخارجي فمعقد، والجميع في حالة انتظار، لما ستحمله الأيام المقبلة من مؤشرات.






















































