بعد أكثر من ست سنوات من انتظار المودعين ال​لبنان​يين حلاً موثوقاً للأزمة المصرفية، يطرح ​برنامج حماية الودائع والتعافي الاقتصادي​ [1](​DERP​) مقاربة مختلفة جذرياً، تقوم على إعادة تحريك الاقتصاد عبر ​الائتمان​، بهدف حماية كامل الودائع واستعادة الثقة بالنظامين المصرفي والمالي.

منذ الانهيار المالي في عام 2019، يعيش لبنان حالة شلل اقتصادي شبه كامل، فالقطاع المصرفي معطّل، والاقتصاد بات يعتمد إلى حدّ كبير على ​السيولة النقدية​، فيما لا يزال ملايين المودعين محرومين من مدّخراتهم. أما الحلول التي طُرحت حتى اليوم من سحوبات جزئية وسقوف اعتباطية ووعود وجداول زمنية، فلم تنجح في استعادة الثقة أو إعادة إطلاق النشاط الاقتصادي.

النتيجة كانت اقتصاداً منهكاً، وبطالة مرتفعة، وتراجعاً حاداً في القدرة الشرائية، وانعداماً شبه كامل للثقة بالقطاع المصرفي. وبالنسبة إلى المودعين، لم يعد السؤال متى ستُستعاد الودائع، بل ما إذا كان ذلك سيحصل أصلاً.

فعلياً، اختفى ركنا أي اقتصاد سليم: الائتمان والادخار. فالشركات المحرومة من التمويل عاجزة عن الاستثمار أو التوسّع أو خلق فرص عمل، فيما فقدت الأسر ثقتها بالنظام المالي فتوقّف الادخار وتقلّص الاستهلاك. هذا الانقطاع المزدوج أدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة من الجمود، وشحّ السيولة، وغياب النمو نفسه كبديل منظّم للحلول الجزئية التي أثبتت فشلها.

في هذا السياق، يقدّم DERP منطقاً واضحاً وخارطة طريق لعامين:

يرتكز البرنامج على مبدأ أساسي: لا تعافياً اقتصادياً من دون نمو، ولا نمواً من دون إعادة تفعيل الائتمان.

بدلاً من استنزاف السيولة المحدودة عبر سحوبات جزئية غير فعّالة، يقترح البرنامج خارطة طريق عملية تمتد على عامين، تعالج في آن واحد أزمة الودائع وحالة الشلل الاقتصادي.

الهدف واضح: إعادة إطلاق الائتمان لتحفيز النمو، خلق فرص عمل، تحسين الدخل، الحدّ من الخوف من السحوبات الجماعية، وتأمين الودائع تدريجياً.

خطة بثلاثة أطراف

يعتمد DERP على تنسيق دقيق بين ثلاثة أطراف أساسية في النظام الاقتصادي:

مصرف لبنان​: يواصل دفع مبالغ شهرية للمودعين تتناسب مع حجم ودائعهم، ويمنح في الوقت نفسه المصارف التجارية خطوط تمويل تُقدَّر بنحو 8 مليارات دولار، وفقاً لحجم ودائع زبائنها وأرصِدتها لدى المصرف المركزي. وتُموَّل هذه الخطوط من الاحتياطات الحرّة، أو من الأصول المتاحة، أو عند الحاجة من ذهب لبنان، الذي يشكّل رصيداً استراتيجياً ازدادت قيمته.

المصارف التجارية: تستخدم هذه التمويلات حصراً للإقراض للقطاعات الإنتاجية والاجتماعية وللأفراد، وفق معايير صارمة يحددها مصرف لبنان. كما تلتزم بحدّ أدنى من الربحية لتوليد سيولة حرة، وتعليق توزيع الأرباح، وإعادة الرسملة تدريجياً، بما يتماشى مع المتطلبات والمعايير الدولية، وذلك على مدى خمس إلى سبع سنوات.

المودعون​: يرون ودائعهم مؤمّنة ومحرّرة تدريجياً، ويستعيدون في الوقت نفسه حق الوصول إلى الائتمان، وهو شرط أساسي لتعافي الاقتصاد. ومع عودة الثقة، يُعاد تنشيط الادّخار، ويتراجع الضغط على المصارف، وتستأنف الدورة الاقتصادية الطبيعية.

مكاسب شاملة للاقتصاد

لا يقتصر DERP على معالجة مصرفية ضيّقة، بل يستهدف إعادة بناء الاقتصاد ككل.

للمودعين: استعادة تدريجية للودائع، تخفيف الضغوط الماليّة، وعودة أنماط الادخار والاستهلاك الطبيعية.

للاقتصاد: نمو فعلي ومستدام، خلق فرص عمل، تحسّن في القدرة الشرائيّة، عودة الاستثمار، وتراجع تدريجي لاقتصاد الكاش.

للدولة: زيادة الإيرادات (الضريبية، الجمركية، القيمة المضافة...) مع انتعاش النشاط الاقتصادي.

للضمان الاجتماعي والنقابات: ارتفاع الاشتراكات، وبالتالي تحسين الموارد والتقديمات.

لمصرف لبنان: استعادة دوره الاستراتيجي وتعزيز الاستقرار النقدي تدريجياً.

للمصارف: تراجع الهلع المصرفي، تحسّن السيولة والملاءة، والحفاظ على الوظائف.

في حين اعتمدت المقاربات التقليدية على التقشّف وإدارة الندرة، يراهن DERP على خيار معاكس: النمو لحماية الودائع، لا التضحية بالودائع باسم تقشّف غير منتج.

ومن خلال إعادة ربط لبنان بأسس الاقتصاد السليم: الائتمان، العمل، الادخار، والثقة، يسعى هذا البرنامج إلى تحويل أزمة نظامية عميقة إلى فرصة حقيقية لإعادة البناء.

ويبقى السؤال الجوهري: هل لبنان مستعد للانتقال من الحلول الموقّتة إلى استراتيجية فعلية للخروج من الأزمة؟.

[1]Deposits and Economy Recovery Plan

* مستشار سابق لرئاسة الحكومة وخبير مصرفي ومالي