لبنانُ نَقيضُ الإيديولوجيا.
في تَكوينِها، الإيديولوجيا حَمَقٌ عَصيٌّ عَلى المَنطِقِ، والصَوابِيَّةِ، والإستيعابِ. يَغوصُ في الإنغِلاقِ على ذاتِهِ حَدَّ التَباهيَ بِإستِحالَةِ الحَياةِ مِن دونِهِ. فيهِ مِن تَصَوُّرِ حَقِّ الإمتِلاكِ حَدَّ السَطوِ عَلى أنصِبَةِ الآخَرينَ وَتَنحِيَتِهِمِ بِالقوَّةِ عَن طَريقِهِ. وَفيهِ مِن تَوَلُّدِ العَواقِبِ فَظائِعَ لا عَقلَ يَتَصَوَّرُها، وَلا شَرائِعَ تَتَقَبَّلُها، وَلا حُدودَ تَتَرَسَّمُها.
العالَمُ عَرِفَ تَطايُرَ الإيديولوجِيَّاتِ وَتَصارُعها حَدَّ تَدميرِ نَفسِهِ في حَربَينِ عالَمِيَّتَينِ وَحَربٍ ثالِثَةٍ مُجَزَّأةٍ مُتَطايرَةِ الجُغرافيا، وَدَفَعَ ثَمَنَها إستِعصاءً عَن أيِّ عِلاجٍ، إذ هيَ خَبطٌ في تَحَجُّرِ الشَرِّ وَعِنانٌ في تَحَجُّرِ البَلايا. بِهِما تَنعَمُ بُلوغاً لِلإنتِحارِ المُدَمِّرِ المُطبَقِ. الإنتِحارُ النِهائيُّ نَعيمُها؟ هوَ صيغَتُها الآمِرَةُ وَإسهابُ مَرضاتِها.
لبنانُ عَرِفَ تَطايُرَ الإيديولوجِيَّاتِ وَتَصارُعها حَدَّ تَدميرِهِ. مِنَ الفَلِسْطو-عُروبِيَّاتِ الى وِلايَةِ-الفَقيهِ-الحِزبَ-الَّلهِوِيَّةِ... وَما بَينَهما مِن تَقَزُّزِ إنفِصاماتٍ عَن حَقيقَتِهِ تَسابَقَت في إغراقِهِ عُنوَةً بِالدَمِّ والنارِ لِتَغيِّيرِ هَوِيَّتِهِ وَتَدميرِ تَواصُلِ كيانِيَّتِهِ الجُغْرافو-تاريخِيَّةِ.
هوَ لبنانُ تَكاؤنُ التَواصُلِ في الكُلِيَّةِ، في الفَرادَةِ، في الوضوحِ، لا في الإستِبدادِ بَل في مِثالِيَّةِ النَموذَجِ... لِلحَياةِ، نَقيضُها تِلكَ الإيديولوجِيَّاتِ.
هوَ لبنانُ إنخِراطُ الحَقيقَةِ في الضَرورَةِ، والضَرورَةُ عَقلانِيَّةُ الوجودِ في الجَوهَرِ وَتَعقُّلُهُما بَعضِهُما البَعضِ... نَقيضُها تِلكَ الإيديولوجِيَّاتِ.
هوَ لبنانُ مُجابَهَةُ المَوجودِ لِرِفعَةِ الوجودِ، في الدِقَّةِ المُرهَفَةِ الإقرارِ... لِتَأبُّدِ الحَياةِ، نَقيضُها تِلكَ الإيديولوجِيَّاتِ.
هيَ الغَرقى في أساطيرَ الدينِ وَخُرافاتِ التألُّهِ وإستِنزالِ تَوَحُّشِ التأليهِ بِإسمِ اللهِ ما كَفَّتَ شُرورَها عَنهُ. في غِيِّها، شَلَّعَتهُ، أزهَقَت روحَهَ، دَمَّرَتهُ. وَهَل إكتَفَت؟ هَيَجانُها أغوى بَعضُ مَن فيهِ فَتَزَلَّمَ لَها وَإنقَضَّ عَلى كِيانِيَّتِهِ مُستَسيغاً تَسَلُّطَهُ عَلى كَينونَةِ وَطَنِهِ. وَدَفقُها تَغاوى بِهِ مَن في خارِجِهِ فَساوى أحقادَهُ بِظَلامِيَّاتِ غِيِّهِ وَإنقَضَّ عَلى كيانِيَّتِهِ مُستَسيغاً تَسَلُّطَهُ عَلى كَينونَتِهِ وَطَناً.
لبنانُ الكَينونَةُ وَتَوكيدُ الكَينونَةِ لِلحَقيقَةِ، بِالوجودِ-الفِعلِ، فَلا يُقالُ عَلى وَطَنٍ غَيرَهُ إطلاقاً،
لبنانُ المُستَقِلُّ أبَداً بِالأُلوهَةِ-الحَقِّ وَالإنسانِ-الحَقِّ،
لبنانُ المِثالُ الأصلُ، تأسيسُ المَنحى، أسمى صَيرورَةِ المُعطى... بَقاءُ الحَياةِ. الحَياةُ البَقاءُ.
عَينُ الكِيانِيَّةِ
أَمُقاوِمٌ لبنانُ لِمَخارِزَ الإيديولوجِيَّاتِ المُستَهدِفَةِ لَهُ والمُتَفَلِّتَةِ أهوالاً عَلى العالَمِ؟
وَحدَهُ لبنانُ يُقاوِمُ مَعاصِيَ الإيديولوجِيَّاتِ، لِأنَّهُ عَينُ الكِيانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ والإنسانِيَّةِ.
وَحدَهُ الذاكِرُ أبَداً أنَّ الإنسانَ صورَةُ اللهِ في أرقى مِثالِهِ وَأسمى أفعالِهِ، قُوَّةُ الإقتِدارِ لِعَينِ الكيانِيَّةِ والمُقتَدِرُ قُوَّةً مِن مَرضاتِها وَفيها وَلَها.
وَحدَهُ بِجَبلَتِهِ ألْمِن فَوقَ يُدرِكُ أن لا اللهَ أعطى قَبائِلَ أرضاً، وَلا إستَفرَدَ بِشَعبٍ يَكونُ خاصَّتَهُ، وَلا إستَطلَبَ حِزباً يَكونُ رِماحَهُ، وَلا تَلَطَّى بِقَومِيَّاتٍ جِغْرافو-تاريخو-وَهمِيَّةٍ لِيَتَكَنَّى بِسَردِيَّاتِ بَعثِيَّاتٍ، وَلا تَكَنَّى بِإستِعبادِيَّاتٍ تَسَلُّطِيَّةٍ تَشرَئِبُّ بِإباداتٍ.
في كُلِّ مَواضِعَ سُلطانِهِ، لبنانُ المَلموسُ مِنَ اللهِ لِلَمسَةِ الإنسانِ، الوجودُ الحَيُّ في الكِيانِيَّةِ الكامِلَةِ، نَشوَةُ الغَلَبَةِ عَلى المَهالِكَ.
أتِلكَ كِيانِيَّتُهُ المؤمِنَةُ، المُجَرَّبَةُ، الحاضِرَةُ دَوماً في حَضرَةِ الأُلوهَةِ وَحَضرَةِ الإنسانِ؟
لَيسَ لِحَقيقَتِهِ، لبنانُ، إستِقصاءٌ وَلا إستِعصاءٌ.
تَتَجَبَّرُ الإيديولوجِيَّاتُ، فَيُخْبَرُ بِبَهاءِ مَجدِهِ.
تَفيضُ بِسَطوَةِ التَخويفِ وَبَطشِ الإذعانِ، فَيَفيضُ بِجَلالِ صَلاحِهِ.
تَنبَسِطُ إنقِضاضاً، فَيَستَقيمُ أناةً وَفي العَدلِ قائِمَتُهُ. يَعضُدُ الساقِطينَ وَيُقَوِّمُ المُنسَحِقينَ.
هوَ العَينُ الكِيانِيَّةُ، إيَّاهُ تَنتَظِرُ عُيونُ مَرضاةِ العَدلِ. وَعَدلُهُ يَستَأصِلُ مُنافِقي الأُلوهَةِ، مُخادِعي الإنسانِ.
هوَ العَينُ الكِيانِيَّةُ الأوحَدُ، الطافِحُ بِيَقينِ الأكيدِ المُؤَكِّدِ، بِإقرارِ الحَضرَةِ، بِغَلَبَةِ الأُلوهَةِ المُعطِيَةِ يُشبِعُ كُلَّ حَيٍّ مَرضاتَهُ.
هوَذا لبنانُ المُعطى المُعطي!
لبنانُ نَقيصُ الإيديولوجيا... وَقاهِرُها!