أشارت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية إلى أن "السفينة الهجومية البرمائية "​يو إس إس تريبولي​" شكلت وهي تشق طريقها متجاوزة السفن التجارية في سنغافورة هذا الشهر، تجسيداً قوياً للمنعة العسكرية التي ضمنت الهيمنة الأميركية في آسيا لعقود، لكن "تريبولي"، المحملة بمشاة البحرية والمروحيات، كانت متجهة إلى الشرق الأوسط قادمة من قاعدتها في اليابان، وذلك كجزء من عملية إعادة انتشار لدعم الحرب في ​إيران​، وهو التحول الذي يراه البعض في ​بكين​ كعامل إضافي يميل بميزان القوى الإقليمي لصالح الصين".

ونقلت عن عضو البرلمان في الصين ​لي ييهو​ قوله، للصحفيين في بكين هذا الشهر، "إذا ضعف الوجود العسكري الأميركي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فبإمكانكم تخيل العواقب. من المستفيد حينها؟"، لافتاً إلى أن الجيش الأميركي يشتت قواه في وقت تتطور فيه قوة جيش التحرير الشعبي بسرعة كبيرة".

وأوضحت الصحيفة أن نقل القوات الأميركية، بالإضافة إلى عناصر من نظام الدفاع الجوي "ثاد" من ​كوريا الجنوبية​، يشكل تراجعاً طفيفاً ولكنه ذو دلالة رمزية في حجم الوجود الأميركي في آسيا، وتؤكد هذه التحركات بالنسبة للصين الفرص الاستراتيجية التي قد تبرز نتيجة مغامرة الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ في إيران؛ حيث ينصب اهتمام واشنطن على مستنقع يزداد عمقاً في الشرق الأوسط، في وقت تصعد فيه بكين ضغوطها العسكرية على ​تايوان​.

من جانبها، رأت يون سون، من ​مركز ستيمسون​ في واشنطن، أنه "تبدو هذه فرصة جيدة جداً [للصين] الآن مع استمرار الحرب في إيران وتشتت انتباه الولايات المتحدة". ويرى المحللون أنه على المدى الطويل، قد يسهل استخدام واشنطن الأحادي للقوة على بكين تبرير أي إجراء مستقبلي ضد تايوان، التي تعتبرها جزءاً من أراضيها".

ولفتت إلى أن الخطاب الرسمي الصيني بشأن الحرب اتسم بالهدوء النسبي، حيث اكتفت وسائل الإعلام الحكومية بإدانة الهجوم على إيران، بينما امتنعت إلى حد كبير عن توجيه انتقادات مباشرة لترامب، الذي قد يحرص الرئيس الصيني ​شي جين بينغ​ على عدم تنفيره.

وأشارت الصحيفة إلى أنه "على الرغم من تأجيل ترامب لزيارة كانت مقررة لبكين هذا الشهر بسبب الحرب، إلا أن المحللين أشاروا إلى أن شي حريص على استمرار التواصل الدبلوماسي والحفاظ على الهدنة التجارية بين القوتين الاقتصاديتين، خاصة مع تعرض الاقتصاد الصيني لضغوط واعتماده الكبير على الصادرات لتحقيق النمو"، كما تهدد الحرب أيضاً برفع التكاليف في الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، مما يضع ضغوطاً إضافية على هوامش ربح المنتجين، في وقت يؤدي فيه ضعف الطلب المحلي إلى دفع المنافسة السعرية.

وأوضحت أنه "بينما تبذل الولايات المتحدة وإسرائيل جهوداً مضنية لإخضاع إيران بالكامل عبر القوة الجوية، فإن تفوقهما الجوي الشامل وقدرتهما على تصفية القيادات العليا في البلاد لن تغيب عن حسابات بكين، ومع ذلك، قد يرى شي في ترامب، الذي كان أقل صراحة في دعم تايوان مقارنة بسلفه، الأمل الأفضل لإقناع الولايات المتحدة بإضعاف دعمها لتايبيه، أو إبطاء وتيرة مبيعات الأسلحة لها.

واعتبر جدليا أفترمان، الخبير في شؤون الصين والشرق الأوسط في معهد أبا إيبان للدبلوماسية والعلاقات الخارجية في إسرائيل، "أن حرب إيران تمنح الصين نفوذاً أكبر في مفاوضاتها مع واشنطن بشكل عام"، مشيراً إلى أن الصين قد تعرض شراء المزيد من النفط من الولايات المتحدة بدلاً من الإمدادات الإيرانية المتعطلة.

كما تحدثت الصحيفة عن فتور في العلاقات بين بكين وطهران، حيث لم يقدم شي تعازيه العلنية فوراً بعد اغتيال الزعيم الأعلى الإيراني ​علي خامنئي​ في بداية الحرب، بل أوفد نائباً لوزير إلى السفارة الإيرانية في بكين لإيصال الرسالة بعد نحو أسبوع من الحادث.

ويرى المحللون أن نموذج الصين الاقتصادي سيبدو "أكثر جاذبية" لدول الخليج التي تزن حالياً حدود الضمانات الأمنية لواشنطن، خاصة بعد رد طهران على الضربات بضرب دول خليجية، معتبرة أن مدى إعادة التوازن في آسيا سيعتمد في نهاية المطاف، على مدة استمرار الحرب في إيران، وما إذا كان بإمكان واشنطن النجاح في شل تدفق النفط تحت وطأة العقوبات أو حتى التحريض على تغيير النظام.