مَنَحَت ​حرب العام 2006​ كلًا من "​حزب الله​" و​الجيش الإسرائيلي​ الوقت الكافي للتحضير لوجستيًا على صعيدي العديد والعتاد للمعركة الكبرى بينهما، في حين جعلت حرب "إسناد غزّة" على امتداد العامين 2023 و2024 كل فريق من الفريقين يكتسب خبرة ميدانية عملانية، لاعتماد أفضل أسلوب قتالي كفيل بإيقاع أكبر خسائر ممكنة بالقوى المعادية، بموازاة أقلّ خسائر ممكنة في صفوفه. فما هي أبرز التكتيكات العسكرية الجديدة التي يُطبّقها "حزب الله" في المواجهات البرّية الراهنة؟

بات "الحزب" يعتمد حاليًا على تكتيكات "حرب العصابات" أكثر من أي وقت مضى، ويُطبّق حرفيًا، المبدأ العسكري المعروف باسم Hit-and-run أي "اضرب واهرب"، مُستفيدًا من معرفته الكبيرة بطبيعة الأرض الجبلية والتضاريس الحرجية والمغاور والمخابئ الطبيعية وتلك التي أعدّها على مرّ السنوات. وبالتالي، ما أن تكتشف أي مجموعة مراقبة قتالية عائدة إلى "الحزب"، مُتواجدة في أي بلدة من بلدات الجنوب، تحرّك أيّ قوّة إسرائيلية مُعادية بشكل مكشوف، حتى تعمد وبشكل تلقائي ومستقل تمامًا، إلى استهدافها بصواريخ "كورنيت"، والفرار من موقع الإطلاق إلى مكان آخر في ثوان معدودة. وفي حال كانت هذه المجموعة الدفاعية قادرة على التواصل مع موقع قيادة مناطقية خلفي، يتمّ نقل إحداثية موقع القوّة المُهاجمة إليها، لتقوم هذه القيادة بتوجيه مُسيرات انقضاضية على القوة المُتوغّلة أو بقصفها بقذائف الهاون من مواقع خلفية غير ثابتة أيضًا.

من هنا، يلاحظ عدم تمسّك "الحزب" بأي منطقة جغرافية، كما حصل في الحرب الماضية قبل سنة ونصف، لأنّ ذلك مُكلف جدًا على صعيد الخسائر البشرية المحتملة. ومن ضمن التغييرات الملحوظة أيضًا، تصغير حجم الوحدات المقاتلة الأمامية، بحيث صارت عبارة عن مجموعات قليلة العدد، سريعة التحرّك، وتعمل بشكل مستقلّ ولامركزي، والأهمّ أنّها لا تثبت في موقع واحد إطلاقًا. وهي يُمكن أن تخلي موقعًا، ثم تعود إليه بعد ساعات أو بعد يوم كامل، وذلك كلّما سنحت لها الفرصة. والهدف عدم الدفاع عن أي قرية أو بلدة، بقدر ما هو مُحاولة إيقاع أكبر خسائر ممكنة في صفوف قوات الاحتلال المُتوغّلة، وعرقلة تقدّمها وإشغالها بمناوشات قتالية متفرّقة ومتكرّرة، عن طريق نصب الكمائن.

حتى أنّ طبيعة الهجمات التي يُنفّذها "حزب الله" تغيّرت، بحيث صارت أكثر عددًا لكن أقلّ كثافة، إنّ على المواقع العسكرية الإسرائيلية أو ضدّ المستوطنات. بمعنى آخر، لم نعد نشهد إفراغ راجمة صواريخ من أربعين فوّهة حممها دفعة واحدة أو على دفعتين، كما كان يحصل في السابق، بل نشهد إطلاق صَلية صاروخية من بضعة صواريخ فقط في كلّ مرّة. لكن في المقابل، جرى تكثيف عدد الهجمات، وتنويع جغرافيا الأهداف، في محاولة لإبقاء القوات الإسرائيلية في حالة إرباك وعدم استقرار دائم، وفي محاولة لإجهاد دفاعات الصواريخ الاعتراضية، والأهم في محاولة التأثير سلبًا على معنويات المهاجمين والمٍستوطنين على حدّ سواء.

والفارق في الأسلوب القتالي بين اليوم والأمس واضح حتى على مستوى أصغر التفاصيل. وفي هذا السياق، كان "حزب الله" يُثبّت في الماضي مثلًا راجمة صواريخ قصيرة المدى على سيارة دفع رباعي مكشوفة أو على "بيك آب"، ويركنها في كاراج مسقوف عائد لأحد المنازل. وعند الحاجة، كان يقوم في أقل من دقيقة بفتح باب الكاراج، وإخراج الراجمة المَحمولة، وإفراغ صواريخها باتجاه الأهداف المطلوبة، قبل إعادتها إلى داخل الكاراج وإغلاق الباب، وكأنّ شيئًا لم يكن. لكنّ هذا الأمر لم يعد واردًا حاليًا، بسبب تطوّر أساليب المراقبة والتتبع الإسرائيلية، عبر مجموعة من الوسائل تشمل أقمارًا صناعية، وبالونات حرارية مزوّدة بكاميرات عالية الدقة وبعيدة المدى، وطائرات من دون طيّار، بحيث صار هذا الموقع يتعرّض للقصف بعد وقت قصير، ليُدمّر المنزل والراجمة، ناهيك عن خطر إصابة المقاتلين.

وبالتالي، صار "الحزب" يعتمد أسلوبًا مغايرًا، حيث تخرج مجموعة تضمّ مقاتِلَين أو ثلاثة مقاتلين بالحدّ الأقصى من فتحة نفق، أو من أي مخبأ آخر في أي منزل عادي، وتقوم المجموعة الصغيرة بالتغلغل بين الأشجار وهي تحمل صناديق خشبية تحتوي على بضعة صواريخ، مع هيكل حديدي قابل للطي، يُستعمل كمنصّة إطلاق. وفي حال الضرورة يتحرّك هذا الرهط العسكري ذهابًا وإيابًا لنقل دفعة ثانية من الصواريخ إلى موقع الإطلاق بين الأشجار. وهذه المنصّة القابلة للتركيب، وللتفكيك بعد الاستعمال أيضًا، هي خفيفة الوزن، وقادرة على حمل أربعة صواريخ، وفي حال اعتماد منصّة ثانية فوقها، يُصبح المجموع ثماني صواريخ بالحد الأقصى. وبعد وضع المنصّة وبرمجة زاوية ميلانها وضبط إحداثية المواقع المطلوب استهدافها، يتمّ ربطها بكابل يبلغ طوله أمتارًا عدّة، مزوّد في طرفه الآخر بساعة توقيت. وبالتالي، ما أن يتمّ الضغط على زرّ التشغيل، يبدأ العد العكسي للإطلاق بالعمل، مُعطيًا المقاتلين فترة زمنيّة كافية للابتعاد عن الموقع، علمًا أنّ هؤلاء يتحرّكون بثياب مدنية وليس عسكريّة زيادة في التضليل. وبالتالي، حتى لو كشف الإسرائيليّون موقع الإطلاق، وقاموا بقصفه لا يكون هناك وجود لأي مقاتل، ولا حتى لأي قاذف صواريخ، بل مُجرّد منصّة حديدية ليس لها أيّ قيمة!

في الخلاصة، التكتيكات الميدانية التي يُطبّقها "حزب الله" تغيّرت، وهي لا شكّ قلّلت نسبيًا من حجم خسائره البشريّة، وزادت من الخسائر اللاحقة بقوات الاحتلال الإسرائيلية المُتوغّلة. لكن في المقابل، من قال إنّ الجيش الإسرائيلي غير جاهز لتحمّل نسبة خسائر مُحدّدة في العديد والعتاد–كما هو الحال أصلًا مع كل جيوش العالم خلال الحروب، وذلك من أجل تحقيق أهدافه في الجنوب؟! ومن قال إنّ سياسة "الأرض المحروقة" التي يعتمدها الجيش الإسرائيلي لن تمكّنه رويدًا رويدًا من استكمال سيطرته على كامل المنطقة الأمنية التي ينوي إقامتها؟! ومن قال إنّ أسلوب "الحزب" الدفاعي التراجعي الحالي سيضمن في نهاية الحرب تحرير القرى والبلدات المحتلّة في الجنوب؟! إيقاع الخسائر بالعدوّ شيء، ومنعه من فرض احتلاله بالقوة شيء آخر!