في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تلعب كل من ​الولايات المتحدة الأميركية​ وايران اوراقهما بالوتيرة نفسها من الحنكة والخداع، فالتصعيد العسكري المستمر، يقابله حديث متزايد عن "صفقة قريبة". هذا التوازي ليس جديداً في سلوك واشنطن او طهران، بل يعكس نمطاً متكررًا من إدارة الصراع بدل حسمه. ومع عودة الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ إلى خطاب “الصفقة”، تتضح ملامح مرحلة تقوم على الضغط المتبادل أكثر منه على الثقة. الاستراتيجية التي تتحرك في ظلها واشنطن تقوم على فرض إيقاع سريع: ضربات مركّزة، رسائل نارية، وتلويح بخيارات أوسع، بما فيها سيناريوهات التدخل البري. الهدف ليس الذهاب إلى حرب طويلة، بل تحقيق ما يمكن تسميته "صدمة سياسية وعسكرية" تدفع طهران إلى التفاوض من موقع أضعف. في هذا السياق، لا يبدو الحديث عن الصفقة تناقضاً، بل جزءاً من أدوات الضغط.

في المقابل، تدرك طهران طبيعة هذا التكتيك، وتتعامل معه بمنطق مختلف، فهي تعلم استحالة تحقيق انتصار عسكري، وهمّها امتصاص الضربة ومنع واشنطن من تحقيق حسم سريع. هذا التكتيك يبدو انه يسير على الطريق الصحيح بالنسبة الى ​إيران​، اذ تمكنت من نقل المعركة من مرحلة الصدمة إلى ملعب الاستنزاف المحدود، حيث تكون الكلفة السياسية على الاميركي أكثر وضوحاً وقوة من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

أما اللاعب الثالث الأساسي أي ​إسرائيل​ الغائبة عن الساحة التفاوضية السياسية والحاضرة على الساحة العسكرية من خلال الضربات الجوية، فتقف في موقع أكثر تعقيداً. فهي الأكثر تعرضاً لتداعيات أي تصعيد، والأقل قدرة على تحمّل حرب طويلة. لذلك تميل إلى دفع الأمور نحو نتيجة سريعة، سواء عبر تكثيف الضغط أو من خلال السعي لتغيير قواعد الاشتباك بشكل حاسم. غير أنّ هذا الاندفاع يصطدم بحسابات واشنطن الأوسع، التي لا ترى في الانفجار الكبير خياراً مفضلاً.

المفارقة الأساسية تكمن في أنّ كل الأطراف تدرك محدودية الوقت. لا أحد قادر على تحمّل أسابيع أو أشهر من التصعيد المفتوح، بخلاف ما جرى في ​قطاع غزة​. ومع ذلك، يستمر رفع السقف، لأنّ كل طرف يراهن على كسر إرادة الآخر ضمن فترة قصيرة. إنها لعبة ما اصطلح على تسميته بـ"عضّ الأصابع"، حيث لا يفوز من يتحمّل أكثر، بل من ينجح في فرض إيقاعه أولاً. ففي حال التوصل إلى اتفاق سريع، سيعلن الجميع انتصاره: واشنطن ستتحدث عن فرض شروطها، طهران ستشدد على صمودها، وتل أبيب ستعتبر أنها أعادت رسم خريطة الردع، الا انّ الواقع على الأرض لن يشهد تحولًا جذريًا، فموازين القوى الأساسية ستبقى كما هي، والنفوذ الإقليمي لن يتبدل بشكل حاسم.

مع ذلك، لا يعني هذا أنّ الاتفاق الذي يمكن التوصل اليه سيكون بلا قيمة، بل على العكس، سيؤدي وظيفة أساسية: وقف النزيف ومنع الانزلاق إلى سيناريو أكثر خطورة، وترسيخ حالة الهدنة المبطّنة حيث يبقى التوتر قائماً، وتظل احتمالات الانفجار مؤجّلة لا ملغاة.

ولا يجب ان ننسى تداعيات هذا الوضع على بقيّة العالم، ف​أسواق الطاقة​ تتأثر فوراً بأيّ تصعيد، و​أسعار النفط​ تصبح رهينة التوتر، فيما تبقى الممرّات الحيويّة تحت تهديد دائم في ​الشرق الأوسط​. أما الدول الهشة في المنطقة، فتجد نفسها عالقة في مساحة رمادية: لا استقرار دائم، ولا انفجار شامل، بل توتر يتجدد بأشكال مختلفة، وخلال فترات زمنيّة غير محدّدة.

لا يبدو أن الصراع يتجه نحو حل في المعنى الكامل للكلمة، بل نحو إدارته أكثر تعقيداً. اما الاتفاق، إن حصل، فلن يكون نهاية مرحلة بقدر ما سيكون استراحة قصيرة داخل مسار أطول. وهذا ما سيعيدنا الى السؤال الاعتيادي الذي يرافق نهاية كل حرب في المنطقة: كم من الوقت سيمرّ قبل الجولة التالية؟.