أشار البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي في عظته خلال قداس عيد الفصح في الصرح البطريركي في بكركي، بحضور رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وعقيلته نعمت عون، مرحبا برئيس الجمهورية والسيدة اللبنانية الاولى، ان حضورهما، الى جانب الشخصيات السياسية والعسكرية والقضائية والمدنية، يضفي على العيد بعدا وطنيا وروحيا عميقا، مقدما التهاني بالعيد ممزوجة بالحزن على ضحايا الحرب المفروضة بين حزب الله واسرائيل، وعلى الدمار الذي طال البيوت والمؤسسات المدنية والدينية، وعلى مئات الاف اللبنانيين الذين شردوا من دون مأوى في اصعب فصول السنة، اضافة الى الاف الجرحى.
واشار الراعي الى معاناة الصامدين في بلداتهم الذين يطالبون بالعيش بسلام ويرفضون هذه الحرب المفروضة عليهم، مؤكدا حقهم، استنادا الى القوانين الدولية، بفتح ممرات انسانية تقيهم الحصار وتؤمن لهم الغذاء والدواء والحاجات الاساسية، وذلك وفقا لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بموادها 23 و55 و56 و59، والبروتوكول الاضافي الاول لعام 1977 بمادتيه 54 و70، وقرار مجلس الامن 1701 في مادته 11 (د).
ولفت الى معرفته بوجع رئيس الجمهورية ازاء رؤية الشعب مشرذما ومشتتا، مشبها اياه بخراف بلا راع، ومشيدا بالجهود المبذولة لوقف الحرب وانهاء تداعياتها، واستعادة سيادة لبنان على كامل اراضيه، واعادة تفعيل مؤسسات الدولة، وانعاش الاوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية، الى جانب المساعي مع الدول الصديقة لدعم هذه الاهداف باسم لبنان وشعبه.
واكد الراعي ان الايمان المسيحي يرتكز الى القيامة، معتبرا ان المسيح القائم من الموت قادر على ان يقيم لبنان من حال الموت الى الحياة، ويقيم الانسان من موت الخطيئة والحقد والبغض الى حياة النعمة الالهية، مشيرا الى ان صلب المسيح وقيامته جعلا الموت يفقد كلمته الاخيرة، ولم يعد القبر نهاية، بل اصبح معبرا الى الحياة، حيث فتحت القيامة افقا جديدا امام البشرية، فلم تعد الحياة محكومة بالخوف ولا المستقبل اسير الياس، بل باتت القيامة اعلان ان الله اقوى من الشر، والمحبة اقوى من الكراهية، والنور ينتصر على الظلمة.
وشدد على ان القيامة ليست حدثا من الماضي، بل حضور دائم، ودعوة لكل انسان للخروج من قبور الخوف والحقد والانقسام والانانية وكل ما يميت الانسان في داخله، من اجل النهوض مع المسيح وعيش حياة الرجاء، لافتا الى ان قيامة المسيح مستمرة في كل قلب يؤمن، وفي كل انسان يختار الحياة والمصالحة والمحبة.
واوضح ان القيامة تشكل حجر الزاوية في الايمان المسيحي، واساس الرجاء وضمان الخلاص، وانها في الليتورجيا تعاش كحقيقة حاضرة لا مجرد ذكرى، حيث تعلن الكنيسة ان "المسيح قام" وكأن الحدث يتجدد، لان القيامة تدخل الزمن وتغيره، معتبرا ان هذا العيد هو عيد الحياة الجديدة، والعبور من الموت الى الحياة ومن الظلمة الى النور ومن الخوف الى الحرية، حيث يختبر المؤمنون هذا التحول في القداس ويصبحون شهودا للقيامة ومدعوين لنقل نورها الى العالم.
ورأى ان القيامة، لاهوتيا، تعبر عن انتصار الله في الانسان، وليتورجيا عن مشاركة الكنيسة في هذا الانتصار، ووجوديا عن دعوة لكل انسان ليعيش هذا الانتصار في حياته اليومية، مستحضرا اعلان القيامة: "اتطلبن يسوع الناصري؟ انه قام وليس ههنا"، ومشيرا الى ان هذا الاعلان يفتح افق الحياة، رغم التحديات الوطنية الراهنة.
وتحدث الراعي عن المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان، في ظل تراكم الازمات وتداخل التحديات، من دمار وقتل وتهجير واعتداءات على الارض والسيادة، الى ازمات اقتصادية ومالية واجتماعية، وتراجع في مؤسسات الدولة، ما ادخل البلاد في حالة من القلق والجمود، معتبرا ان هذه الحروب والاعتداءات مرفوضة من الدولة والشعب، لانها تمس كرامة الانسان وتضرب استقرار الوطن.
واكد ان القيامة تحمل رسالة رجاء بان الواقع، مهما اشتد، لا يلغي الامل، وان الازمات، مهما تعاظمت، لا تسد الطريق، مشددا على ان لبنان ليس بلدا للموت بل للحياة، وقد نهض مرارا عبر تاريخه، وهو اليوم مدعو الى قيامة حقيقية ثابتة تقوم على الحق والحياة، وتمكنه من العيش بسلام دائم واداء دوره ضمن الاسرة العربية والدولية، في ظل نظام حياد ايجابي معترف به دوليا، كما ورد في خطاب القسم.
وختم الراعي بالتشديد على ان القيامة الوطنية تنطلق من الداخل، من انسان يرفض الاستسلام ويتمسك بالحقيقة، ومن ارادة تعمل للخير العام، ومن مواطن يضع ولاءه لوطنه فوق اي انتماء اخر، ومن مسؤول يصون الامانة ويقدم مصلحة الوطن، مؤكدا انه لا يحمي لبنان الا الدولة القوية العادلة القادرة، وان الجيش والقوى الامنية يشكلون الضمانة الفعلية للاستقرار، مشيرا الى ان لبنان قادر على النهوض بفضل الارادات الحية والايمان العميق بان الحياة اقوى من الموت، مختتما بالاعلان: "المسيح قام، حقا قام".



















































