يُراهن كثيرون على أن يكون انتهاء الحرب على إيران، بغضّ النظر عن التاريخ الذي سيحصل فيه، مَربوطًا بوقف القتال في لبنان أيضًا. ويأمل كثيرون أيضًا أن يتمّ وقف النار في الإقليم بشكل عام، وفي لبنان بشكل خاص، في أسرع وقت ممكن. فهل وقف النار في هذه المرحلة يصبّ في مصلحة لبنان، وفي مصلحة الجنوبيّين بالتحديد، وما هو مصير القرى والبلدات الحدودية في حال توقّف المعارك بشكل مفاجئ بقرار إقليمي-دَولي كبير؟
لا شكّ أنّ ما من عاقل يتمنّى استمرار أي حرب، فكيف إذا كانت قتلت وجرحت آلاف اللبنانيّين، ودمّرت المباني والمنازلوالبنى التحتية، وتسبّبت بموجات نزوح وتهجير ضخمة، وزرعت الرعب والخوف والقلق في نُفوس الكبار والصغار، وأسفرت عن تآكل مخزون كبير من أموال المصرف المركزي ناهيك عن موجة تضخّم الأسعار الواسعة! لكنّ حُصول أي وقف للنار بشكل فوري في لبنان، بفعل اتفاق أميركي–إيراني، لا ناقة للبنان ولا جمل في صياغة أيّ من بنوده، لا يصبّ في مصلحة الجنوبيّين، بعكس ما يظنّ الكثيرون. والأسباب متعدّدة، حيث أنّ وقفًا فوريًّا للنار اليوم، بفعل تفاهم إيراني–أميركي، يعني ما يلي:
أوّلًا: تثبيت الواقع الميداني القائم في جبهات القتال في الجنوب على ما هو عليه، أي توقّف الجيش الإسرائيلي وعناصر "حزب الله" عن إطلاق النار، بناء على اتفاق إقليمي–دَولي لا يأخذ في الاعتبار الواقع اللبناني وحساسية جبهات القتال المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بعكس ما هو الحال في ما خصّ طبيعة المواجهة غير المباشرة بين إيران وكل من أميركا وإسرائيل، وتحديدًا عبر غارات من جهة وقصف صاروخي من جهة أخرى. وبالتالي، إنّ أي مناوشة صغيرة، أو أي خطأ في التقدير بين القوى العسكرية المتلاصقة في الجنوب، من شأنه تفجير الموقف من جديد، وعودة القتال، واحتمال العودة إلى نقطة الصفر في حال تصاعد المواجهة.
ثانيًا: عدم إمكان كل سُكان قرى وبلدات الجنوب من العودة إلى منازلهم. فأولئك الذين يسكنون في القرى والبلدات الحدودية سيكونون ممنوعين كليًا من العودة، وأولئك الذين يسكنون في قرى الخط الثاني وربما بعض قرى الخط الثالث جنوب خط نهر الليطاني سيعودون بشكل جزئي ومشروط، وتحت أنظار جيش الاحتلال ومُحلّقاته، في تكرار لما حصل عقب اتفاق "وقف الأعمال العدائية" في محيط "النقاط الخمس" التي كانت إسرائيل قد أبقت سيطرتها عليها بُعيد الحرب الماضية. وبالتالي، على الرغم من أنه من المرتقب تطبيق السياسة المذكورة نفسها، فإنّ النطاق الجغرافي لهذا التطبيق هو أوسع بكثير من المرّة السابقة، كون إسرائيل تُسيطر ميدانيًا هذه المرّة على كامل قرى وبلدات ما يُسمّى "الحافة الأمامية"، وهي تُسيطر بالنار على الكثير من قرى الخط الثاني الوسطي.
ثالثًا: تُخطط إسرائيل لأن تستغلّ تواجدها الميداني المتقدّم لرفع سقف مطالبها من لبنان، بحيث أنها ستستفيد من الهدنة لثبيت مواقعها المتقدّمة وتحصينها بعيدًا عن وابل صواريخ ومُحلّقات "الحزب"، وهي لن تقبل بإخلاء كامل قرى الشريط الحدودي، قبل أن تتخذ السلطة في لبنان إجراءات ميدانية ملموسة وفعّالة هذه المرّة بخصوص نزع سلاح "الحزب".
إذًا، مصلحة لبنان ليست في اتفاق لوقف النار يَسقط عليه بالمظلّة، من دون أن يأخذ في الاعتبار مصلحة اللبنانيّين، وتحديدًا الجنوبيّين في تفاصيل حياتهم اليومية. فمصلحة لبنان ليست في اتفاق يتناول في بنوده البرنامج النووي الإيراني، أو "اليورانيوم المُخصّب"، أو البرنامج الصاروخي، إلخ. بل في اتفاق يتناول خط الحدودالجنوبي، ومصير النازحين والمهجّرين، ومسألة وقف الغارات والإعتداءات والاستهدافات والطلعات الجويّةالإسرائيلية، إلخ. لكنّ المُشكلة أنّ لا إيران راغبة بالتخلّي عن ورقة لبنان، لأنها تُعزّز بواسطتها موقعها التفاوضي، ولا "حزب الله" راغب بفصل مساره عن مسار إيران، لارتباطات عقائدية ودينية وسياسية ومالية، ولاعتبارات أخرى أيضًاتتمثّل خُصوصًا بالخشية من إستفراده. حتى أنّ إسرائيلالتي يتردّد أنّها تسعى جاهدة لفصل مسار المعركة مع "حزب الله" عن مسار الحرب مع إيران، كونها تعتبر أنّ مهمّتها الأمنية في لبنان لم تنته بعد، قد تستغلّ أي تسوية بين واشنطن وطهران، لتمرير بنود لمصلحتها توفّر عليها عناء القتال الطويل، مُستغلّة الدعم المُطلق الذي يوفّره لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخها.
في الخلاصة، بغض النظر عن طبيعة المسار الذي ستسلكه التطوّرات الإقليمية، لبنان بحاجة إلى التوصّل إلى وقف للنار يخصّه دون سواه، ويأخذ في الاعتبار البُنود التي تعنيه بشكل مباشر والتي تُقدّم مصلحته الشخصية على مصلحة سواه. ولا يبدو أنّ هذا الأمر سيحصل من دون انخراط السُلطة السياسية في لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. لكن الظرف المطلوب لهذه الخطوة لم ينضج بعد، وفي الانتظار يبقى الميدان ساحة لتعزيز أوراق التفاوض المُستقبلي لا أكثر!