كنتُ في الصفِّ المتوسِّط الرابع عندما دخل إلينا المدير ومعه شخص يلبس ثيابًا غريبة، وشعره طويل، وذقنه أيضًا طويلة، وحافي القدمين. نظرنا إليه بتعجُّب كبير وسألنا من هو هذا الرجل الغريب الَّذي يلبس ثوبًا من "خيش"! البعض ضحك وآخرون تهامسوا فيما بينهم، وما هي لحظات حتَّى حلَّ الصمت وقال المدير لنا: أقدِّم لكم «​الأخ نور​»، جاء يزورنا اليوم ويخبرنا عن الرب يسوع ​المسيح​.

وبدأ «الأخ نور» بصوت هادئ ودافئ يخبرنا عن إحدى زياراته، مع وفد، ل​عائلة فقيرة​ زراعيَّة تعيش من منتوجات أرضها المتواضعة، ولدى أفرادها بقرة يبيعون حليبها ليعيشوا. وتعبيرًا عن فرح العائلة بزيارتهم لها قدَّمت لهم ضيافة متواضعة.

كنَّا نصغي إلى «الأخ نور» باهتمام كبير إذ نقلنا بكلماته الدافئة إلى عالم آخر، وأصبحنا كأنَّنا معه في الزيارة.

ووصف لنا مبتسمًا كيف جلست ربَّة المنزل تقشِّر الليمون وفصَّصته بيدها وبدأت تقدِّم لنا فُصوصَه بيدها، وعلى أصابعها "زِبْلُ" البقر.

ارتبك الوفد من "الزبل" ولم يتناول منها الليمون، ولمَّا وصل الأمر إليه، أخذ من يدها ليمونة كاملة عليها زبل، وشكرها على ذلك، وبدأ يأكل منها بشهيَّة كبيرة، وكان طعمها لذيذًا للغاية.

فما كان من الوفد إلَّا أن نظر إليه متعجِّبًا لا يعرف ماذا يقول. وبعدها غادروا المنزل. هكذا انتهى حديث «الأخ نور» وودَّعنا وخرج مع المدير من الصفِّ، وبقيت كلماته راسخة في رأسي.

ومرَّت السنون والأيَّام ولم أرَ «الأخ نور» مجدَّدًا ولم ألتق به. وعندما أصبحت شمَّاسًا وأتيت إلى مبنى الـ «​تيلي لوميير​» في منطقة الدورة وصعدت إلى الطابق الثاني ودخلت مكتبًا زجاجيًّا صغيرًا، شاهدت رجلًا بالملامح والثياب نفسها فتجمَّدتُ في مكاني. دخلت وسلَّمتُ عليه فأجابني قائلًا: «سلام المسيح».

صَمَتُّ للحظات وقلتُ له باندفاع: «أنت أخذتَ الليمونة من المرأة وأكلتها، وكانت ممتلئة من الزبل». فنظر إليَّ بعينين متعجِّبتين ثمَّ قال لي: «ماذا؟ ماذا تقول؟» فرويتُ له قصَّة مجيئه إلى الصفِّ.

جلس متأثِّرًا واغرورقت عيناه بالدمع وأنا أيضًا. وجلسنا نتحادث وبدأت من لحظتها رحلة تخطَّت العشرين سنة. أوَّل الغيث كان برنامج «قدِّيسو الكنيسة الأرثوذكسيَّة» الَّذي أخذ رواجًا كبيرًا، وكان له تأثير كبير في نفوس المؤمنين في ​لبنان​ والعالم أجمع.

وتتالت البرامج الأرثوذكسيَّة المتنوِّعة من شرح أيقونات ومونتاج تراتيل وشرح الأعياد وسبوتات ومقابلات وغيرها.

كان «الأخ نور» عاشقًا للبشارة، وكان مُناه أن يدخل نور الربِّ إلى كلِّ قلب، وفرد، وعائلة، ومنزل وأيِّ مكان في هذه المسكونة.

أحبَّ مثل الزارع كثيرًا وكان يقول: «لنبشِّر، ولا أحد يستطيع أن يضع عصًا في دواليب الله». وكان يحبُّ الأيقونات كثيرًا ويفرح بالبرامج الَّتي نشرح فيها معاني الأيقونات في الأعياد.

على الصعيد الشخصيِّ كان صديقًا وأخًا وسندًا ومحفِّزًا. كنَّا نجلس ونتشارك في مواضيع شتَّى. رُقادُه أثَّر بي كثيرًا إذ أفتقدُ لجلساتنا معًا. ولم أفكِّر يومًا بأنَّني سأقف في دفنه. آخر لقاء بيننا كان قبل رُقاده بيومين، استودعتُه على أمل اللقاء بعد فصحِنا.

كان رفيقُه قلم الرصاص، يكتب عليه كلمات وكلمات لتصبح فيديوهات وسبوتات. كان يكتب بالقلم ليصبح قصيرًا بحجم الإصبع الصغير، كأنَّ القلم يمثِّل حياته البسيطة القائمة على الخبز والماء فقط. القلم يقصر كالعمر، والكلمات تبقى محفورة في النفوس، ثابتة لا تتزعزع كالصخر.

آمن أن الحياة على الأرض هي فرصة تقشُّف للامتلاء من الربِّ فجعل مبنى التيلي لوميير مكان نسكه، ويستيقظ قبل الفجر ويصلّي. هذا الأمر يبدو للبعض صعبًا، ولكنْ كان هذا خياره الَّذي وجد نفسه فيه. اكتسب نعمة السلام والثقة الكبيرة بالربِّ والاتِّكال عليه في كلِّ شيء. وعن الموت الجسديِّ، أي الرقاد، كان يقول: «الَّذي تُوُفِّيَ توفَّق» (بالعامِّيَّة: اللي توفَّى توفَّقْ).

أخ نور: المسيح قام.