لم تكن مجزرة "الأربعاء الأسود" التي حصدت أرواح أكثر من 200 لبناني في غارات إسرائيليّة جنونية مجرد خبر او تصعيد عسكري عابر، بل كانت الصرخة الأكثر دموية لإعلان سقوط لبنان في متاهة التوازنات الدولية الجديدة. ما يشهده البلد اليوم ليس "حرباً دفاعية" أو حتى "توسيعاً للعمليات"، بل هو استثمار إسرائيلي وحشي لضياع وصمت سياسي دولي، نتج عن تقاطع مصالح غريب ومريب بين طهران وواشنطن، ترك بيروت وحيدة في مواجهة آلة قتل لا تعرف الخطوط الحمراء.
التحليل الأعمق للموقف الإيراني يشير إلى أن طهران قد انتقلت من مرحلة "وحدة الساحات" إلى مرحلة "حماية المركز". فالمجزرة الأخيرة، وبكل ما تحمله من بشاعة، قوبلت بأسلحة إيرانيّة من عيار "المواقف الكلامية والتهديدات" فقط، وهو ما اعتبره مراقبون وكأنه جزء من "تفاهمات الضرورة" مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبدا وكأن القيادة الإيرانية المحاصرة بين خسائر داخلية وتهديدات وجودية لنظامها، قد قبلت بمبدأ "التسامح" مع تحويل لبنان الى جحيم ملتهب، من دون ان يعني ذلك التخلي عن حزب الله، وهذا ما يفسّر المواقف المتناقضة التي صدرت عن طهران بعد ان هدّدت برد قاس وبالانسحاب من الاتفاق وحتى بعدم المشاركة في المفاوضات، وهي كلها أمور لم تفعلها، بل اكتفت بوضعها على الطاولة، على الورق، ما يعني أن لبنان الذي كان يوماً "رأس حربة" المشروع الإيراني، بات اليوم مجرد ورقة يمكن وضعها جانبا واستعمالها عند الحاجة لما فيه مصلحة النظام الإيراني الحالي.
هذا الامر كان يفترض ان يطمئن لبنان الى انّ الطرف الآخر اكثر حرصاً عليه، ولكن تبيّن ايضاً ان وصول ترامب إلى السلطة اطلق رصاصة الرحمة على المعالجات التقليديّة للازمات على حساب "الحسم السريع"، وقد اقتنع على ما يبدو بغبائه وغباء من حوله، وأعطى "المجنون الآخر" رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما يمكن وصفه بـ"الوكالة المطلقة" للتحرك في لبنان. من هنا يمكن فهم غياب حديث المسؤولين في واشنطن عن "حماية المدنيين" أو "القرار 1701"، لصالح التبنّي الكامل للمشروع الإسرائيلي الرامي إلى "تفكيك لبنان" وإعادة صياغته أمنياً. بالنسبة لترامب، لبنان هو "بقعة جغرافية مأزومة" لا تستحق عناء الصدام مع إسرائيل، وتخلّيه عن مشروع الوساطة ليس إهمالاً، بل هو قرار استراتيجي لترك إسرائيل تنهي المهمة بالنيابة عن مشروعه لإعادة ترتيب المنطقة الذي لا مكان فيه لقوى خارجة عن السيطرة الأميركية، ولم يعتبر من الدروس السابقة التي بدأها شخصياً في ولايته الأولى حين قرر "خنق" حزب الله عام 2019 بفرض طوق اقتصادي قاس على لبنان أدى الى افقار اللبنانيين واغناء الحزب، وتصديق نتنياهو بأنه قادر على القضاء على الحزب عسكريا خلال فترة قصيرة.
تدرك إسرائيل اليوم أن لبنان يعيش حالة "يتم سياسي" غير مسبوقة. فالعالم الذي انتفض لأجل أوكرانيا، يكتفي بإحصاء جثث اللبنانيين ببرود مخيف. هذا "الجنون" في القصف الذي شهده لبنان في "الأربعاء الأسود"، هو محاولة لفرض "استسلام جغرافي وديمغرافي" شامل. إسرائيل لا تقاتل حزباً فحسب، بل تحاول كسر إرادة وطن بأكمله، مستغلّة غض النظر الإيراني المريب والغطاء الأميركي المطلق. وهكذا يتم تقديم لبنان على مذبح "الصفقة الكبرى"، وسط قناعة دولية بأن ثمن إنقاذ المنطقة من حرب إقليمية واسعة هو ترك البلد لمصيره المحتوم تحت ركام الغارات.
وبين النظام الإيراني وإدارة ترامب، والهمجيّة الإسرائيليّة التي تسرح وتمرح، يسأل لبنان: بوجود أصدقاء مثل هؤلاء، من يحتاج الى أعداء؟.




















































