في سجل ​الحرب الإسرائيلية​ المفتوحة التي تنهش جسد ​لبنان​ منذ أشهر، ثمّة أيام كثيرة حفظها الناس لكثرة ما تركت أثرًا عميقًا في نفوسهم قبل أجسادهم، منها بطبيعة الحال يوم اغتيال الأمين العام السابق لـ"​حزب الله​" السيد ​حسن نصر الله​ ليس فقط لما انطوى عليه من "صدمة" باعتبار أنّ مثل هذا الاغتيال لم يكن واردًا، ولكن قبل ذلك لأنّه شكّل نقطة فاصلة بين مرحلتين، ونقل الحرب إلى مستوى آخر لم يكن يتوقّعه قبل ذلك.

وقبل اغتيال السيد نصر الله، ثمّة يوم آخر من الصعب أن ينساه أحد من اللبنانيين، وهو يوم ما اصطلح على تسميته بـ"​محزرة البيجر​" حين انفجرت أجهزة الاتصال بعناصر "حزب الله". يومها، دوّت الانفجارات في كلّ أنحاء لبنان، من الضاحية، إلى الجنوب، مرورًا بالبقاع ووصولاً حتى سوريا، في لحظة بدت عصيّة على الفهم والاستيعاب، ولا تزال بعض تفاصيلها غير مفهومة حتى يومنا هذا.

لعلّ "​الأربعاء الدموي​" في ​بيروت​ كان قريبًا في حيثياته ودلالاته من ذلك اليوم، بل ربما تخطّاه، لما جسّده من لحظة انهيار نفسي جماعي لم تشهده العاصمة حتى في أحلك لحظات "هجمات البيجر". فبعدما نام اللبنانيون على "تفاؤل" بأن يشملهم اتفاق وقف إطلاق النار المبرم مع ال​إيران​يين، واستيقظوا على كلام "محبط" لرئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتنياهو​، باغتتهم موجة غارات متزامنة هي الأعنف منذ بداية الحرب الحالية.

إن دلّت هذه الغارات غير المسبوقة في كثافتها وتوقيتها على شيء، فعلى أنّ "وهم الأمان" الذي كان يظلّل العاصمة بيروت باعتبارها "محيّدة" ولو نسبيًا عن الضربات الإسرائيلية، سقط في لحظة واحدة، فإذا بالعاصمة بيروت تشتعل، في أحياء يعرفها اللبنانيون جيّدًا، وقد لجأ إليها كثيرون من سكان الضاحية والجنوب، على غرار بربور وكورنيش المزرعة وعين المريسة وتلة الخياط وغيرها، وكأنّ إسرائيل أرادت أن "تنتقم" من اتفاق إيران، بجنونها غير المألوف!

من "مصيدة التفاؤل" إلى "الهستيريا"

هي ساعات قليلة تفصل بين ما يمكن تسميته "مصيدة التفاؤل" وحالة "الهستيريا" التي أصابت السكان الآمنين في بيوتهم، في لحظة بدوا عاجزين عن استيعابها أو فهمها، وقد ضاقت بهم الطرقات وهم يهربون من بيوتهم إلى "المجهول".

بدأت الحكاية بتسريبات، ثم تقارير، ثم حديثٍ خافت في الصالونات السياسية وعبر شاشات التلفزة عن "انفراجة وشيكة". ففي ساعات الفجر، تلقّف اللبنانيون، المتعطشون لأي خبر يوقف عدّاد الموت، الأنباء الواردة عن اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار برعاية ​واشنطن​ وطهران لمدة أسبوعين. ورغم الحذر الذي يطبع الشخصية اللبنانية تاريخيًّا، إلا أن الرغبة في النجاة جعلت الكثيرين يصدقون أن لبنان سيكون مشمولاً بهذا الاتفاق، وهو ما عزّزه الإعلان ال​باكستان​ي.

بيد أنّ هذا التفاؤل الذي لم يصمد طويلًا تحوّل سريعًا إلى "مصيدة"، فبعدما أوقف "حزب الله" هجماته على شمال إسرائيل بموجب التفاهم المعلن، حتى بعد تنكّر نتنياهو له، كان الإسرائيليون يعدّون العدّة لـ"صدمة" جديدة، كرّستها الهجمات الأعنف على العاصمة بيروت، والتي جاءت لتجسّد مشهدًا نفسيًا بقدر ما هو ميداني. فالقصف العنيف الذي تعرّضت له العاصمة، انطوى على صدمة معنوية قاسية: "وهم الأمان" كان مجرد ستارة رقيقة أحرقتها النيران في لحظات.

هكذا، انتقل السكان خلال ساعات قليلة من حالة الترقب الحذر لنتائج المفاوضات، إلى "هستيريا" شاملة. الناس في الطرقات منهارون، لا أحد يفهم ما يجري. صراخ. بكاء. مشاعر متناقضة. سيارات تسير في كل الاتجاهات، عائلات تحمل ما خفّ حمله وتبحث عن مأوى في مدينة باتت هي نفسها بحاجة إلى حماية.

هذه النقلة النفسية الحادة تفسر حجم "الخراب الداخلي". فالناس يهربون من شعورهم بأنهم "مكشوفون" تمامًا. إلى أين؟ لا أحد يعرف. من الضاحية والجنوب، أتوا إلى بيروت. إلى أين يذهبون هذه المرّة؟ لعلّه السؤال الأخطر، والأكثر إشكالية، حين يغيب الأمان بالمطلق.

سقوط "الملاذ الأخير"

لسنوات، وفي عز الأزمات، ظلت بيروت تلعب دور "الحصن النفسي"، أو ربما "الملاذ الأخير". كان هناك تمييز عفوي، لدى اللبنانيين بين "الجبهة المشتعلة" في الجنوب، وبين "العاصمة" التي قد تُقصف لكنها تظل ملاذًا، ومركزًا للقرار، ومكانًا يمكن فيه لملمة شتات الحياة. بيد أنّ "الأربعاء الأسود" نسف هذا التمييز تمامًا.

فعندما تُقصف أحياء في قلب بيروت، أو على تماس مباشر مع نسيجها السكاني المكتظ، تسقط أسطورة "المكان الآمن". كما أنّ سقوط هذا الوهم يعني أن اللبناني بات بلا "خلفية" يحتمي بها: الجنوب يشتعل، والبقاع تحت النار، فيما العاصمة تحت رحمة الغارات المكثفة: وهكذا يدخل البلد كله في طور "​الأمان المفقود​". وهنا تتبدى الخطورة الاجتماعية والسياسية لما جرى، فالعاصمة هي "عصب اليقين" في الدولة، وإذا اهتز العصب، ترنّح الجسد كله.

عمومًا، لا يمكن قراءة هجمات الأربعاء بعيدًا عن السياق الاجتماعي المأساوي الذي يعيشه لبنان. نحن نتحدث عن بلد يرزح تحت وطأة نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، وفق إحصاءات رسمية ودولية ويعاني أصلًا من انهيار اقتصادي تاريخي، وجد نفسه يوم الأربعاء أمام تحدٍّ يفوق طاقة البشر. وبهذا المعنى، فإنّ "الأربعاء الأسود" كان ضربة للبنية الاجتماعية والسياسية لما تبقى من الدولة اللبنانية.

لبنان "الضحية الرمزية"

ماذا أراد الميدان أن يقول؟ الحقيقة المرة هي أن لبنان بات "الضحية الرمزية" لأي تفاهم إقليمي ناقص. فاستثناء لبنان من اتفاقات التهدئة أو تأجيل البحث في ملفه، حوّله إلى الساحة الوحيدة التي يُسمح فيها بـ"تفريغ شحنات النار" الإسرائيلية، وكأن هناك قرارًا دوليًّا أو إقليميًّا ضمنيًّا بأن يبقى لبنان مشتعلًا حتى يتم ترتيب بقية الساحات.

هذه الرسالة القاسية وصلت إلى قلب كل لبناني: "أنتم لستم ضمن الأولويات". وهذا الإدراك هو أشد إيلامًا من صوت الصواريخ، أن تكتشف عاصمةٌ عريقة كبيروت أنها تحولت إلى "صندوق بريد" دامٍ، يُستخدم للضغط في مفاوضات تجري بعيدًا عنها، وبأثمانٍ تُدفع من لحم أبنائها وأمن سكانها.

ومع تبخر الأمان من حيٍّ إلى حي، ومن منطقة إلى أخرى، تظل بيروت واقفة على أطلال تفاؤلٍ اغتيل قبل أن يولد، باحثةً، مثل أهلها تمامًا، عن أمانٍ بات مفقودًا في مهب الريح.