تعيش منطقة الشرق الأوسط وخصوصا ​لبنان​ في الأسبوع الثاني من نيسان مفارقة سياسية وعسكرية حادة؛ فبينما تتجه الأنظار إلى العاصمة الباكستانيّة إسلام آباد، حيث تُعقد مفاوضات "الفرصة الأخيرة" بين ​الولايات المتحدة​ و​إيران​، تشتعل الجبهة اللبنانية بوتيرة غير مسبوقة. وهذا المشهد المرعب الّذي يبرز الهمجيّة الاسرائيلية الحاقدة يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التفاهمات الدوليّة، وأسباب استبعاد أطراف فاعلة، وما إذا كان الميدان اللبناني قد تحوّل إلى "صندوق بريد" لتعديل شروط التفاوض!.

واذا اردنا الغوص أكثر في كواليس إسلام آباد... لا بدّ من طؤح السؤال التالي، لماذا غاب التمثيل الإسرائيلي المباشر؟

وفي هذا السياق، يرى باحثون في ​العلاقات الدولية​ بعد اتصالات أجرتها "النشرة" بمؤسسات عالمية مواكبة للاتصالات التي سبقت اتفاق وقف اطلاق النار لمدة اسبوعين، أن مفاوضات إسلام آباد لا تُصنف كـ "مؤتمر سلام إقليمي"، بل هي "مفاوضات تقنية-استراتيجية ثنائية" بامتياز. وبالتالي فإنّ استبعاد إسرائيل من الطاولة لم يكن تهميشاً لدورها، بقدر ما هو ضرورة إجرائية تفرضها طبيعة الملفات:

1- بسبب ثنائية المسار حيث تتركز المباحثات حول فك الاشتباك المباشر بين واشنطن وطهران، لا سيّما في ملف الملاحة في ​مضيق هرمز​. ووفقاً للأعراف الدبلوماسية، فإنّ حضور طرف ثالث (لا تعترف به إيران) من شأنه أن ينهي التفاوض قبل بدئه.

2- إن التمثيل بالوكالة تاريخياً، يقضي بأن تتحرك واشنطن في هذه المفاوضات كضامن للمصالح الإسرائيلية الاستراتيجية. وما التصريحات الصادرة عن "تل أبيب" الاّ للاشارة بأن إسرائيل تفضل "التنسيق من خلف الستار" لضمان عدم تقديم واشنطن تنازلات تمسّ أمنها القومي، مع الحفاظ على هامش حركة عسكري مستقلّ، ولو كان الامر غير ذلك لسبّب احراجًا للأميركي.

3- تجنب "الفيتو" الإيراني للجلوس حول طاولة يتواجد عليها الاسرائيلي حيث تدرك الوساطة الباكستانية أن قبول طهران بالجلوس المباشر مع واشنطن هو تنازل بحد ذاته، أمّا إقحام إسرائيل كان سيؤدي حتماً إلى انسحاب الوفد الإيراني.

الى ذلك لا بدّ هنا من طرح سؤال موازٍ لعدم مشاركة لبنان الفعليّة في مؤتمر إسلام آباد، وهل الغياب اللبناني عن "طاولة المصير" سيادة مغيبة أم تفويض بالوكالة؟ ويبرز التساؤل الأكثر مرارة في الشارع اللبناني والأوساط السياسية: لماذا غُيبت بيروت عن مفاوضات تُقرر مصير حروبها واستقرارها؟ وتحليل هذا الغياب يكشف عن عمق الأزمة الهيكلية التي تعاني منها الدولة اللبنانية في الميزان الدولي:

1- ان اختزال الدولة اللبنانية في "الساحة" يراه مراقبون من منظار آخر حيث أن القوى الدولية (واشنطن وطهران على حد سواء) لا تزال تتعامل مع لبنان كـ"ساحة اشتباك" أو "ورقة تفاوضيّة" وليس ككيان سياسي مستقل بقرار سيادي. وهذا التصور جعل من حضور لبنان أمراً "ثانوياً" في نظر المتفاوضين، طالما أنّ خيوط التصعيد والتهدئة الفعليّة تُدار بين عواصم القرار الإقليمي.

2- إنّ معضلة "الأطراف الأصيلة" في العرف الدبلوماسي للأزمات الكبرى، تُستدعى تلك التي تملك "حق النقض" الميداني. وبما أن المواجهة الحالية هي في جوهرها صدام بين المشروعين الأميركي والإيراني، فإنّ الطرفين اعتبرا أن التفاهم المباشر بينهما كفيل بفرض الهدوء على الأطراف التابعة، مما جعل التمثيل اللبناني الرسمي (الحكومة) يظهر بمظهر "المتلقّي" للنتائج لا "المشارك" في صنعها.

3- يأتي في هذا السياق تآكل المؤسسات الدستورية، حيث ساهم الفراغ السياسي المديد في لبنان، وغياب الحضور الرسمي الفاعل لأي رئيس جمهوريّة خلال العقود الماضية لتمثيل البلاد في المحافل الدولية، في إضعاف "الصوت اللبناني". وهذا الترهّل المؤسساتي أعطى ذريعة للمجتمع الدولي لتجاوز القنوات الرسمية اللبنانيّة والحديث مباشرة مع "الراعي الإقليمي" (إيران) للوصول إلى تفاهمات تخصّ الجبهة الجنوبية.

4- تتجنب الدولة اللبنانية الالتزامات السّيادية، فمن وجهة نظر أخرى، قد يجد البعض في الغياب الرسمي اللبناني "هروباً اضطرارياً"؛ لأنّ المشاركة في مفاوضات إسلام آباد كانت ستفرض على الدولة التزامات أمنيّة وعسكرية (مثل نزع سلاح أو ترسيم حدود بضمانات دوليّة) قد لا تملك الحكومة القدرة الأدواتيّة أو التوافق الداخلي على تنفيذها على الأرض في ظل سطوة السلاح الموازي.

ولهذه الأسباب مجتمعة فإن غياب لبنان عن إسلام آباد يكرس واقعاً جيوسياسياً خطيراً، حيث تُناقش "المسألة اللبنانية" في غياب اللبنانيين، مما يجعل أي اتفاق يتم التوصل إليه عرضة للانهيار إذا ما تعارضت تفاصيله مع الحسابات الداخلية للقوى الفاعلة على الأرض، والتي تجد في طهران ناطقاً باسمها، وفي واشنطن خصماً يفاوض نيابة عن أمن إسرائيل.

أمّا في لغز "الهدنة العرجاء" بين لبنان وإيران يكمن جوهر الأزمة الحالية في ما يمكن تسميته "الضبابية الدبلوماسيّة المتعمّدة". فبينما احتفت طهران وإسلام آباد بما وصفتاه بـ"اتفاق شامل لوقف إطلاق النار"، جاء الواقع الميداني في لبنان ليثبت العكس. فالقراءة الإيرانية استندت إلى تصريحات رئيس الوزراء الباكستاني، ​شهباز شريف​، التي أوحت بأن التهدئة "كلّية" تشمل كافة الأذرع والجبهات. لأنّه بالنسبة للجمهورية الاسلاميّة، فإن وقف إطلاق النار هو حزمة واحدة لا تتجزأ.

أمّا القراءة الأميركية-الإسرائيلية كانت تؤكد من خلال واشنطن (خاصة في ظل إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب) أن الاتفاق هو "تهدئة تقنية موقتة" (De-confliction) مدّتها أسبوعان، تهدف لتأمين تدفق النفط عالمياً، ولا تشمل تفكيك الجبهات المرتبطة ب​حزب الله​، والتي تعتبرها واشنطن وتل أبيب "ملفّات أمنية منفصلة" لم يحن وقت تسويتها بعد.

وهنا لا بدّمن سؤال مشروع، هل الهجوم على لبنان ضرورة أمنيّة لاسرائيل أم استراتيجية إفشال لضرب المؤتمر المزمع انعقاده في باكستان بين الولايات المتّحدة وايران؟ كما تطرح الاعتداءات الإسرائيلية الهمجية العنيفة على الجنوب وبيروت تساؤلاً حول النوايا الحقيقية لحكومة ​بنيامين نتنياهو​. هل تسعى لتقويض جهود واشنطن في إسلام آباد؟ لا سيّما أن "مخّ" نتانياهو الاجرامي فعل ذلك أكثر من مرة لتقويض الجهود المبذولة على صعيد أي اجتماع لوقف الحروب التّي يخوضها. وفي هذا السياق، فإن خبراء عسكريّون استمزجت "النشرة" آراءهم حول استراتيجية "النافذة الزمنية" والسلوك الإسرائيلي فرأوا أنه استغلال لـ"انشغال" إيران بالمفاوضات. ولذلك فعلى تل أبيب وخلال أسبوعين من "الحصانة الدبلوماسية" عليها ضرب البنية التحتية لحزب الله دون خوف من ردّ إيراني مباشر قد ينسف مفاوضات إسلام آباد الحيوية لطهران. اضافة الى ذلك تعتبر حكومة نتانياهو أن الضغط العسكري يحسّن الشروط لذلك تسعى من خلال "الهمجية العسكرية العشوائية" –كما توصف في الأوساط الحقوقية– إلى فرض واقع جغرافي جديد على الحدود الشمالية لاسرائيل، بحيث تضطر إيران في نهاية المطاف لإدراج سلاح الحزب ضمن تنازلاتها في المفاوضات الكبرى.

أضف الى ذلك، فإن اسرائيل وهي الخبيرة بإحراج الوسيط والخصم على السواء ترى بأنّ التصعيد في بيروت يضع طهران في مأزق أخلاقي وسياسي أمام حلفائها؛ فإذا التزمت بالهدنة، ظهرت كمّن "تخلى" عن لبنان مقابل مصالحها الاقتصاديّة، وإذا ردّت عسكرياً، ظهرت كطرف "مخرِّب" للسلام أمام المجتمع الدولي.

في الخلاصة، إنّ المشهد الحالي يشير إلى أننا أمام "اتفاق هشّ" وُلد ميتاً من الناحية الميدانيّة. فبينما تتحرك الدبلوماسية في غرف إسلام آباد المغلقة، تتحدّث القنابل وقتل المدنيين العُزّل في بيروت بحجّة ملاحقة مقاتلي حزب الله ويشتعل الجنوب اللبناني والبقاع على أنغام اجرام الطائرات الاسرائيلية الأميركية الصنع. أمّا النجاح الحقيقي للمفاوضات لا يُقاس بتوقيع الأوراق، بل بالقدرة على لجم التصعيد الإسرائيلي الذي بات يهدّد بتحويل "أسبوعي الهدنة" إلى صاعقٍ لتفجير المنطقة بأكملها.

وتبقى الكرة الآن في ملعب الإدارة الأميركية؛ فهل هي قادرة أو راغبة في كبح جماح حليفها الإسرائيلي لإنجاح "صفقة القرن الإيرانيّة"، أم أن لبنان سيظلّ الثمن الذي يُدفع على مذبح التفاهمات الكبرى؟.