على الرغم من إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على استكمال الحرب ضد لبنان، وبالتالي فصل الجبهة اللبنانية عن سائر الجبهات من غزة إلى إيران، وذلك حتى القضاء على قدرات "حزب الله" الصاروخية، وهو هدف يبدو أنّه لم يتحقق بعد، خلافًا لما روّجت له البروباغندا الإسرائيلية، فإن نافذة أمل باقتراب التهدئة فُتحت أخيرًا، خصوصًا بعد "حفلة الجنون" التي شهدتها العاصمة بيروت الأربعاء، والتي يُخشى أن تتكرر في الأيام المقبلة.
فإذا كانت أحداث "الأربعاء الأسود" باغتت اللبنانيين، وهم الذين كانوا يستبشرون خيرًا بدخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بموجب الاتفاق بين الإيرانيين والأميركيين، الذي قال الوسيط الباكستاني إن لبنان مشمول به، قبل أن يتنصّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الأمر، ربما تحت ضغط نتنياهو، ويلمّح إلى أنّ المسألة "التبست" على طهران، فإن هذه الأحداث تبقى، برأي كثيرين، "بداية النهاية"، وسط ترقّب للجولة الأخيرة التي تكون غالبًا الأكثر عشوائية.
لذلك، فإن السؤال الملح في لبنان اليوم لم يعد متصلًا فقط بموعد هذه التهدئة، التي يُعتقد أنّ الضغوط الغربية بدأت تتكثف لتكريسها، إذ ليس منطقيًا أن تستمر الحرب على لبنان فيما يجري العمل على تثبيت مشروع "الاستقرار" في المنطقة. ما يفرض نفسه اليوم، وبقوة تقارب قوة الانفجارات التي تهز العاصمة والضاحية والجنوب، هو سؤال أشد عمقًا وخطورة: أيّ لبنان يُراد له أن يصل إلى لحظة ما بعد الحرب؟
معركة على "اليوم التالي"
صحيح أنّ أحداث "الأربعاء الأسود"، وما سبقها وما تلاها، تدخل في إطار محاولة إسرائيل رفع السقف قبل المفاوضات، حتى لو تجاوزت في سبيل ذلك الخطوط الحمراء وخرجت عن كل ما هو مألوف في الحروب، لكن المشهد الحالي لا يوحي بأن الهدف الإسرائيلي يقتصر على تسجيل مكاسب ميدانية تكتيكية أو قضم مساحات جغرافية إضافية قبل خفض وتيرة النار والذهاب إلى طاولة المفاوضات التي بدأت التحضيرات لها.
عمليًا، يكشف الكلام عن مفاوضات مباشرة تبدأ قريبًا، بالتوازي مع الإصرار على فتح ملفات "نزع السلاح" و"العلاقات السلمية"، ومع استمرار القصف، أن المعركة الجارية باتت، بشكل أو بآخر، معركة على شكل المرحلة التالية بقدر ما هي معركة على خطوط النار الحالية.
في القراءة العسكرية والسياسية للسلوك الإسرائيلي الأخير، لا يبدو التصعيد مجرد اندفاعة أخيرة قبل التوقيع على اتفاق، ولا فائض عنف تفرضه دينامية الحروب في لحظاتها الختامية. ما يظهر أقرب إلى محاولة واعية وممنهجة لرفع منسوب الإنهاك اللبناني إلى أقصى حدوده الممكنة قبل فتح أي مسار دبلوماسي، بحيث يصل لبنان إلى طاولة المفاوضات محمّلًا بضعف أكبر، وضغط أعلى، وتماسك أقل، وهامش أضيق للمناورة.
هذا ما يجعل اللحظة الحالية مختلفة عن كثير من المحطات السابقة. فالحرب كانت تُقرأ في مراحل سابقة من زاوية من يكسب ميدانيًا ومن يخسر، أو من يتقدم ومن يتراجع، أو من ينجح في الرد ومن يفشل. أما الآن، فالمعادلة تبدو أكثر تعقيدًا: إسرائيل تحاول استخدام الضغط العسكري لإعادة صياغة "السؤال اللبناني". فهي لا تريد وقف إطلاق نار يعيد الأمور إلى ما كانت عليه، وإنما تسعى إلى استخدام النار لفرض إجابات قسرية حول كل الملفات الإشكالية.
النار تسبق الطاولة
حين أعلن بنيامين نتنياهو أنه أعطى تعليماته لبدء مفاوضات مباشرة مع لبنان "في أقرب وقت ممكن"، محددًا أن هذه المفاوضات ستتناول نزع سلاح "حزب الله" وإقامة "علاقات سلمية"، لم يكن ذلك تصريحًا عابرًا، ولا حتى بالون اختبار سياسي. وقد يكون لتوقيت هذا الكلام دلالاته، فهو جاء فيما كانت إسرائيل تؤكد أن لا وقف لإطلاق النار في لبنان، ما يعني أن الطاولة لا تُطرح بعد توقف الحرب، وإنما تحت ضغطها، وعلى وقعها، ومن داخل اختلالاتها.
بهذا المعنى، لا يُطرح التفاوض كمخرج من الحرب، وإنما كأداة من أدواتها. وهذه النقطة أساسية في قراءة المشهد. فالتفاوض الذي يولد تحت النار يختلف جذريًا عن تفاوض يأتي بعد تثبيت وقف النار وإعادة تكوين توازن نسبي. في الحالة الأولى، يكون أحد الأطراف قد دخل النقاش من موقع الإنهاك، وتحت ضغط الخسائر والتهجير والانهيار النفسي والاجتماعي. وفي الحالة الثانية، تكون القدرة على التقاط الأنفاس أعلى، ويكون المجال أوسع للفصل بين مطلب وقف الحرب وبين الملفات السياسية الأثقل.
ما تريده إسرائيل، على ما يبدو، هو النوع الأول: نقاشات تبدأ فيما آثار القصف ما تزال طازجة، وفيما الكلفة اللبنانية ترتفع، وفيما الشعور العام بأن البلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الوقت يتحول إلى عامل ضغط سياسي داخلي. هنا، يتحول الانهيار النفسي والاجتماعي والكلفة الاقتصادية الباهظة إلى أوراق ضغط تجبر المفاوض اللبناني على تقديم تنازلات كان من الصعب قبولها في ظروف طبيعية.
ولعلّ هذا ما يفسر سبب الإصرار الإسرائيلي على استمرار الضربات حتى مع بدء الكلام عن المفاوضات. فتل أبيب تدرك أن "الأمتار الأخيرة" هي الأشد تأثيرًا في صياغة الإطار السياسي اللاحق، لأن الطرف المنهك، الذي يخشى استهداف أطفاله ومنازله في كل دقيقة، لا يذهب إلى الطاولة بالصلابة نفسها التي يمتلكها طرف يرتكز إلى جبهة داخلية متماسكة واستقرار نسبي.
أيُّ "يوم تالٍ" يُراد للبنان؟
إذا كانت إسرائيل تريد من التفاوض أن يتناول السلاح والعلاقة السياسية والحدود وقواعد الأمن، فهذا يعني أن "اليوم التالي" المطروح ليس يومًا تقنيًا عنوانه وقف النار، كما أنّه يتجاوز القرار 1701. معنى ذلك أننا أمام محاولة لإعادة تعريف النظام السياسي اللبناني بكليته: من يحتكر السلاح، ومن يملك قرار الحرب، وما الذي تبقى للدولة، وكيف يُعاد تركيب الجنوب، وما نوع الترتيبات التي تلي. وهذه عناوين لا تخص الجبهة وحدها، وإنما تضرب في قلب النظام السياسي اللبناني، وفي داخله الهش أصلًا.
هنا يبرز شعار "الدولة مقابل السلاح" كعنوان للمرحلة. وعلى الرغم من كون هذا النقاش لبنانيًا بامتياز ومن صلب وثيقة الوفاق الوطني، فإن طرحه تحت ضغط طائرات "إف-35" يفرغه من محتواه الوطني، ويحوله إلى إملاء خارجي. ومن هنا، يصبح من الصعب فصله عن السؤال الأهم: هل يُراد للبنان أن يصل إلى التفاوض وهو مستعد أصلًا لتلقي هذه المعادلة تحت وطأة التعب والخوف والإنهاك؟
الجواب ليس محسومًا، غير أنّ الخطر يكمن في أن يُدفع لبنان إلى تبني هذه المعادلات لا اقتناعًا بضرورة بناء الدولة، وإنما هروبًا من جحيم النار. علمًا أن هذا المسار ليس محل إجماع لبناني. فبينما يرفض "حزب الله" التفاوض تحت النار ويصر على أولوية وقف العدوان والانسحاب الشامل، تحاول الحكومة اللبنانية السير على حبل مشدود: فهي تطالب بوقف النار فورًا كمدخل إلزامي لأي بحث، وترفض أن يتحدث أحد باسمها، مع المراهنة على دور أميركي "ضامن" يمنع تحويل المفاوضات إلى عملية استسلام مقنّعة.
هذا التباين لا يعكس اختلافًا في المواقف فقط، وإنما يكشف أن البلاد تقف أمام لحظة تتقاطع فيها نار الحرب مع صراع المعنى السياسي لما بعدها، وهو ما يضع لبنان أمام امتحان قد يكون الأصعب في تاريخه المعاصر. فالتحدي لم يعد محصورًا في القدرة على تحمل القصف أو تقديم التضحيات الميدانية، وإنما في القدرة على منع النار من أن تصبح هي "المفكر السياسي" الذي يقرر مستقبل البلاد.
لا يمكن لأحد أن ينكر أن البلد في حالة إنهاك تام، لكن في الوقت نفسه يدرك الجميع أن ما يُفرض بالقوة والابتزاز العسكري لا يمكن أن يتحول إلى استقرار مستدام. فأي اتفاق يولد من رحم الإكراه سيظل يحمل في طياته بذور انفجارات مستقبلية. لهذا، فإن أخطر ما في اللحظة الحالية ليس مبدأ التفاوض تحت النار، وإنما احتمال أن تنجح الغارات في تقليص هامش لبنان قبل أن يبدأ الكلام الجدي على شروط الخروج من الحرب.
في المحصلة، لا يبدو أن إسرائيل تخوض فقط معركة "الأيام الأخيرة" قبل تهدئة محتملة. ما يجري يوحي بأنها تحاول استخدام هذه الأيام لفرض شكل المرحلة التالية قبل أن تبدأ، وربما لفرض استسلام سياسي على لبنان. فهي تراكم الإنهاك النفسي والسياسي لفتح نقاشات حول السيادة والحدود والسلاح من موقع قوة مطلقة.
ويبقى السؤال: هل يصل لبنان إلى لحظة نهاية الحرب وهو ما يزال يملك الحد الأدنى من القدرة على حماية ثوابته الوطنية وشروطه السيادية؟ أم يصل إليها وقد أكلت النار قدرته على الاعتراض، فيجد نفسه مجبرًا على التكيف مع واقع "اليوم التالي" الذي صُنع بالبارود والدم؟