أظهرت ​الصين​ مجددا، رؤية ثاقبة واستشرافية، في الحرب الراهنة على ​إيران​، في ظل مُعضلة إمساك طهران بورقة ​مضيق هرمز​، ووسط التخبُّط على المستوى العالمي، في ​أسعار النفط​ المُرتفعة، بنسبة قد تُقارب الـ26% أوروبيا مثلا.

وفيما هدد الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​، الأحد، بـ"فرض حصار بحري على مضيق هرمز"... وبتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران، "إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق"، وقد رد "​الحرس الثوري​"، من جهته، بأنه يتحكم بالكامل بحركة الملاحة في المضيق، وبأن أعداء إيران "سيعلقون في الدوامة القاتلة لمضيق هرمز"، فإن الصين أبقت نفسها في منأى عن كل هذه التطورات، كما وإنها كانت الأقل تأثرا في تداعيات الحرب المُدمرة... فكيف تم ذلك؟

وقد تمكنت الصين من تخفيف حدة الصدمة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، على مُستوى الطاقة، بفضل مخزوناتها وتنويع مصادر إمداداتها.

والصين التي تستورد نفطا أكثر مما تُصدر، حصلت على أكثر من نصف وارداتها من النفط الخام من الشرق الأوسط العام الماضي عن طريق البحر. وتاليا كانت الأقل تأثرا في إغلاق إيران مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس إنتاج النفط العالمي وكميات هائلة من الغاز الطبيعي المُسال...

والفضل في ما قامت به بكين، يعود إلى مخاوف قادتها، في شأن الوضع الجيو-​سياسي​ في السنوات الأخيرة، ما دفعهم تاليا إلى تطوير قُدراتهم لتخزين الاحتياطات الاستراتيجية وتعزيزها، خلافا لجيران الصين الآسيويين، مثل اليابان والفيليبين. وكذلك لم تُضطر الصين إلى "الاندفاع" للاستعانة باحتياطياتها الاستراتيجية الكبيرة...

كما وأن الصين قد تحوّلت في مجال الطاقة مُنذ عُقود، لتقليل الاعتماد على الفحم والوقود الأحفوري.

ومن جهة أُخرى، يضع التطور الهائل في مجال الطاقة المُتجددة الصين، في وضعٍ "مُؤات نسبيا" في مواجهة الحرب الشرق أوسطية.

ومِن الإجراءات التي اتخذنها الصين أيضا، تركيب محطات طاقة الرياح والطاقة الشمسية، والطاقة النووية، في المناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية العالية، بينما تسمح الشبكات المُحسنة بتوصيل الكهرباء في شكل أفضل إلى هذه المناطق من داخل البلاد. ولولا هذه الإجراءات، لكانت الحاجة إلى واردات نفط وغاز لتزويد المُقاطعات الصينية أكبر بكثير.

وفي مواجهة التُوترات الجيو-سياسية المُتزايدة، يسعى الرئيس الصيني ​شي جين بينغ​ إلى تسريع وتيرة تطوير مصادر الطاقة المُتجددة. ودعا في تقرير بثته قناة "سي سي تي في" التلفزيونية الحُكومية، إلى تسريع بناء "نظام طاقة جديد" لضمان أمن البلاد في هذه المنطقة.

ولا يتمثل الخطر الرئيسي بالنسبة إلى الصين في "صدمة فورية في مجال الطاقة"، بل في "تباطؤ اقتصادي عالمي محتمل ناجم عن النزاع". وسيتأثّر الكثير من القطاعات على المستوى العالمي، بالحرب الدائرة الآن، ما سيُؤدي إلى تعقيد مهمة السُلطات التي تعاني بالفعل من تراجع النشاط الاقتصادي.

وينسحب ذلك على مصافي النفط الصينية الخاصة الصغيرة، التي لطالما استفادت من الوصول إلى النفط الخام الإيراني والفنزويلي في ظل العُقوبات، والذي تمّ شراؤه بأسعار مُنخفضة.

وما يُؤكد هذا المنحى، تأثُر الإمدادات النفطية، جراء التدخُل العسكري الأميركي في ​فنزويلا​ هذا العام، والذي أدى إلى انقطاع تدفُقات النفط من الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية.

وكذلك، قد يُؤدي فقدان النفط الخام الإيراني، إلى توجيه ضربة إلى الكثير من المُنشآت التي تقع في شكل رئيسي في مُقاطعة ​شاندونغ​ (شرق الصين). وشاندونغ هي مُقاطعة داخلية، تقع على واجهة خليج بوهاي والبحر الأصفر (بحر الصين)، تقابلها على الواجهة الأُخرى شبه جزيرة لياودونغ. كما وتُمثل هذه المصافي الصغيرة، حوالي خُمس طاقة التكرير في الصين. وكذلك تُوفر الكثير من فُرص العمل. غير أن معاييرها البيئية المُتساهلة، ومُساهماتها الضريبية غير المُتوقعة والمُنافسة التي تشكلها للشركات العملاقة المملوكة للدولة، تعني أن اختفاءها ليس خبرا سيئا للغاية بالنسبة إلى الصين.

وثمة قطاع آخر مُعرض للخطر، مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، وهو قطاع أشباه المُوصلات الذي يشكل أولوية استراتيجية لشي جين بينغ.

كما وقد تُواجه الصناعة الكيميائية ضُغوطا كبيرة ناجمة عن الاضطرابات على مُستوى الطاقة.

وفي هذا المجال، لن تكون الصين في منأى عن ارتفاع الأسعار وتباطؤ النشاط. ولكن الأطراف المعنيون اتخذوا إجراءات وقائية إذا حدثت اضطرابات مُطولة... وفي المُحصلة، تسعى الصين مرة أُخرى إلى احتواء التداعيات المُفترَضة!.