اعتبر رئيس جمعيَّة "عدل ورحمة" الأب الدكتور ​نجيب بعقليني​ في بيان أصدره في في ذكرى 13 نيسان ومرور 51 سنة على اندلاع الحرب في لبنان، "أنّنا نستعيد، في تلك اللحظة التي شكّلت بداية الحروب على أرض ​في ذكرى 13 نيسان ومرور 51 سنة على اندلاع الحرب في لبنان، لبنان، وجعًا لم يكن يومًا صراعًا داخليًا فحسب، بل انعكاسًا لصراعات الآخرين على أرضنا، بأيدٍ لبنانية، للأسف".

تساءل: هل انتهت الحرب؟ هل انتهت حروب الآخرين على أرض لبنان؟ أم أنّ الحروب لم تنتهِ، بل تغيّرت أشكالها وأدواتها؟ لافتًا إلى أنّ "أصوات المدافع قد تخفت أحيانًا، لكن تندلع حروب من نوع آخر: حروب الاقتصاد التي تُرهق الناس، حروب الغلاء التي تُثقل كاهلهم، حروب الضرائب التي تُفقدهم القدرة على الصُّمود، وحروب رقميَّة تُرهق العقول وتُضعف الروابط الإنسانية".

أكّد أنّ "أخطر ما نواجهه اليوم هو نسيان الذاكرة أو تشويهها. فالذاكرة لا تُنقّى بالإنكار، بل بالاعتراف، ولا يمكننا تجاوز الألم إذا تجاهلناه، كما أنّ تجاهل الماضي لا يبني سلامًا أهليًا، بل يؤجّله. من هنا، نحن مدعوون إلى مُصالحة حقيقيّة، تقوم على الاعتراف، والمُسامحة، وبناء مستقبل مختلف"، مشدِّدًا، في هذا السياق، على أنّ "تطوير النظام السياسي بات ضرورة، عبر عَقد اجتماعي جديد يقوم على احترام حقوق الإنسان، ويؤسس لدولة عادلة تحتضن جميع أبنائها".

أضاف: "السلم الأهلي ليس مجرّد غياب للحرب، بل هو حالة من الاستقرار، وعيش مشترك قائم على الاحترام، وحلّ للخلافات بالحوار بدل الصراع. لتحقيق هذا السلم، لا بدّ من تعزيز العدالة لأنها تمنع الحرب، وترسيخ المساواة لأنها تُنهي الضغينة، وتوفير فُرص العمل لأنها تدعم الاستقرار، وتقوية الانتماء الوطني لأنه يوحّد المجتمع، فضلًا عن احترام الاختلاف، ونشر الوعي، والالتزام بالقانون، وتعزيز الوحدة الوطنيّة على أساس العدل والحوار، ودعم المُجتمع المدني لأنه يشكّل جسرًا بين الدولة والمُجتمع ويساهم في ترسيخ هذا العَقد الاجتماعي".

تابع: "التحديّات كبيرة من بينها: الطائفيّة، الظُّلم، عدم المساواة، الفقر، البطالة، الفساد، والتدخُّلات الخارجيَّة… كلها تهدّد السِّلم الأهلي، وتتطلَّب وعيًا جماعيًا ورفضًا لكل ما يضعف الدولة والقانون، لذا، لا نريد، في هذه الذكرى، أن نتذكّر فحسب، بل أن نتعلّم، أن نحفظ الذاكرة، لا لنعيش فيها، بل لنبني عليها، وأن نختار، كل يوم، طريق السلام بدل الحرب".

أشار إلى أنه "في ظلّ التراجع في مؤشرات السلم الأهلي في لبنان، تبرز الحاجة الملحّة إلى وعيٍ جماعيّ مسؤول، قائم على الحِوار والعمل الإيجابي، ورفض كلّ أشكال الكراهيّة والعُنف"، ودعا إلى "التنبّه لخُطورة الخطاب الطائفي، وعدم الانجرار وراء الشائعات واستغلالها، وتعزيز الثقة بالدولة ومؤسساتها، وبالقانون والقضاء"، جازمًا أن "من واجب مؤسسات الدولة أن تكون عادلة وحاضرة لجميع المواطنين من دون استثناء، لأن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، بل عدالة انتقالية شاملة تؤسس لمُصالحة حقيقية".

رأى أنّ "الطريق إلى الإصلاح يمرّ، حتمًا، عبر وقف الفساد المُمنهج، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، وبناء قضاء مستقل ونزيه، كذلك لا يمكن إغفال أثر التدخُّلات الخارجيَّة التي تعيق الوحدة الوطنية، وتضعف مناعة المجتمع، من هنا تحثُّنا هذه الذكرى على دعم دولة القانون والمؤسسات، وترسيخ العدالة والمساواة، ورفض لغة الفرز والتصنيف بين الناس، وتشجيع التفكير النقدي البنّاء، لا للهدم، بل للحفاظ على كرامة الإنسان وضمان الأمن للجميع".

أوضح أنّ "السلام الأهلي ليس قرارًا سياسيًا يُتخذ، بل هو ثقافة تُعاش يوميًا، وسلوك جماعي مستمر، وتعاون بين الدولة والمجتمع، وتضامن بين الأفراد أنفسهم. من هنا، لا بد من تعزيز مفهوم "نحن" بدل "نحن وهم"، لأن نشر ثقافة حُقوق الإنسان هو المدخل الحقيقي لسلام أهلي مستدام. لكن ثمة عوامل تهدّد هذا السلام، لا سيما الخطاب الطائفي، غياب العدالة، الخوف من الآخر وجهله، عدم المساواة، الفساد، ضعف القضاء أو غياب نزاهته. لذلك، يشكّل القضاء العادل والمستقلّ ضمانة لحقوق متساوية، وعدم الشعور بالظلم، ورفض أي شكل من أشكال التمييز".

ختم: "الطريق إلى السلام يمرّ عبر احترام القيَم الإنسانية ومدّ الجسور بين الناس لا بناء الجدران، وتعزيز المُصالحة الحقيقيَّة. ليست المُصالحة خيارًا ثانويًا، بل سبيل إلى احترام الإنسان، وترسيخ ثقافة التسامُح رغم الاختلاف. يساعد الحفاظ على هذه القيم وطننا على الشفاء من أزماته المتكررة، لذا، نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى وعي عميق، وتربية على المُواطنة، ونضج ثقافي وسياسي واقتصادي لتحقيق تنمية مُستدامة تضمن العدالة الاجتماعيَّة، الحقوق البيئيَّة، الحقوق الرقميَّة. في النهاية، يبقى السلام الأهلي مسؤوليَّة الجميع، ويُبنى كل يوم، بالفعل والكلمة والموقف".