صحيح أنّ العمل جرى على قدم وساق لتحقيق وقف لإطلاق النار في ​لبنان​، لكنّ الأصحّ أنّ ما هو أبعد من وقف النار يتمثّل بما سيحصل بعد ذلك، أي بالشروط والاعتبارات التي تلي توقّف العمليات القتالية. فهل وقف النار المَنشود نهائي، وما هي شروطه، وهل سيعود الجنوبيّون إلى قراهم وبلداتهم؟

بداية، لا بُد من التذكير أنّ التجارب الحديثة في المنطقة أثبتت أن لا وقف نهائي للنار، بل نوع من "استراحة مقاتل" في انتظار ما ستقود إليه المفاوضات. وهذا الأمر حصل مع ​إيران​، وفي ​غزّة​، ولا شيء يحول دون تكراره في لبنان. ولمن خانته الذاكرة، من الضروري التذكير أنّه في تموز من العام 2025، شنّت ​إسرائيل​ هجمات مباغتة على إيران، قبل أن تنضم إليها ​الولايات المتحدة الأميركية​ التي أغارت على منشآت إيران النووية. وعلى الرغم من توقّف الحرب والانتقال إلى التفاوض بعد نحو أسبوعين من القتال، عادت كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية لتشنّ حربًا واسعة على إيران اعتبارًا من 28 شباط الماضي. وهذا الأمر جعل ​طهران​ تُصرّ حاليًا على تضمين أي اتفاق تسوية بنودًا كفيلة بعدم عودة أميركا وإسرائيل إلى خيار الحرب ضُدها في المستقبل. وفي قطاع غزّة، فإنّه اعتبارًا من عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأوّل من العام 2023، توقّف القتال بين إسرائيل وحركة "حماس" مرّات عدّة، وعاد مرارًا في جولات قتالية قاسية، في كل مرّة كانت تتعثّر فيه عمليّة التفاوض غير المباشر بين الفريقين. وحتى اليوم، لا تزال الهجمات الإسرائيلية متواصلة بتقطّع ضدّ ما تبقى من مواقع تحت سيطرة "حماس"، في ظلّ تهديد دائم بمعاودة القتال في حال عدم رضوخ "حماس" لمطلب تسليم سلاحها.

وبالتالي، إنّ الوضع في لبنان لن يكون مختلفًا لا عمّا حصل ويحصل في إيران، ولا عمّا حصل ويحصل في غزّة. وهذا يعني أنّ الأهمّ من التوصّل إلى وقف للنار، هو الشروط التي على أساسها سيحصل التوقّف عن القتال. وليس بسرّ أنّ الضغط الإسرائيلي شديد للتمسّك بالقرى والبلدات الحدودية التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي خلال المعارك، حيث لا تُوجد أيّ نيّة بالانسحاب منها، حتى لوّ نجحت الضغوط الدَولية في تأمين وقف للنار مع لبنان. ويربط الجانب الإسرائيلي الانسحاب من هذه القرى والبلدات اللبنانية الحدودية المُحتلّة بأن تسبقه إجراءات جدّية لسحب سلاح "​حزب الله​". وبالتالي، من المُتعذّر على سُكّان أكثر من عشرين قرية وبلدة جنوبية العودة إليها، ليس لأنّ أغلبية المنازل والبيوت مُدمّرة فيها فحسب، بل لأنّ إسرائيل ستبقي سيطرتها عليها، حتى بعد التوصّل إلى اتفاق ل​وقف إطلاق النار​، وسترمي الكرة إلى الملعب اللبناني، في محاولة للتسبّب بمزيد من المشاكل السياسية الداخليّة، وكذلك في محاولة للإيقاع بين الجيش اللبناني ومقاتلي "حزب الله". في المقابل، ليس بسرّ أيضًا، أنّ "الحزب" الذي لا يُمانع أخذ إستراحة من القتال لاستعادة أنفاسه، وليرى ماذا يُمكن أن تؤمّنه الاتصالات السياسية على مستوى الإقليم ككلّ، مُصرّ هذه المرّة على عدم وقف القتال، في حال أصرّت إسرائيل على إبقاء احتلالها لقسم من الجنوب، وعدم إفراجها عن الأسرى، وعدم وقف غاراتها الانتقائيّة ضدّه!

انطلاقًا مِمَّا سَبَق، يُمكن في الخلاصة الاستنتاج أنّ التوصّل إلى وقف للنار، لن يكون نهاية المطاف على الإطلاق، بل مُجرّد إنتهاء مرحلة لتبدأ مرحلة أخرى أكثر خطورة. فالشروط المُتبادلة بين إسرائيل و"الحزب" ستجعل احتمال عودة القتال أمرًا حتميًا، ولوّ بعد حين. وبالتالي، المَطلوب أن يُستتبع أي وقف مُوَقَّت للعمليات العسكريّة، بتفاهمات سياسية وأمنية سريعة تشمل كل الملفّات العالقة، وإلا سيكون لبنان في المستقبل القريب على موعد مع جولة، لبل مع جولات قتالية جديدة!