لم يكن مساء السابع عشر من نيسان 2026 محطة عادية في الروزنامة ال​لبنان​ية المنهكة. حين أطلّ رئيس الجمهورية العماد ​جوزاف عون​ لمخاطبة اللبنانيين غداة سريان ​وقف إطلاق النار​، لم يكتفِ بتلاوة خطاب كبيان تقني يعلن إسكات المدافع. بل بكلمة لا تشبه كلاسيكيات السياسة المحلية الحذرة، بدا الرئيس وكأنه يكتب بيده مسودة "​الجمهورية الثالثة​"، واضعاً نقطة النهاية في آخر سطرٍ من حقبة صراع المحاور الإقليمية على الأرض اللبنانية. ونبرة الخطاب لم تكن احتفاليّة، ولا حتى دفاعيّة، بل اتخذت منحى هادئًا ومباشرًا، كأن الرجل يحاول أن يقول للبنانيين إن ما حصل ليس نهاية أزمة، بل بداية اختبار مختلف.

فما جاء في كلمة رئيس الجمهورية يُعتبر تحولا مفصليًّا في مسار الدولة اللبنانية.

وفي قراءة سياسيّة يبدو أن ​بعبدا​ التقطت هذه اللحظة التاريخية لتعلن صراحةً انتهاء زمن الوصايات. فبعبارة مكثفة ومباشرة، طوى عون نصف قرن من مصادرة الإرادة الوطنية، مؤكداً استعادة لبنان لقراره الحر. هو إعلان تمرّد سيادي واضح على كل من اعتقد أو حاول أن يجعل من البلد مجرد "ورقة في جيب أي كان". لأنّ التفاوض اليوم لم يعد مهمّة توكّل للوسطاء أو العواصم الإقليمية، بل بات الامر ينبع من الذات، لتقرر الدولة عن نفسها بعيداً عن إملاءات الخارج.

في الظاهر، حرص الرئيس على إعطاء وقف إطلاق النار بُعدًا جامعًا، متحدثًا عن “تضحيات” و”جهود مشتركة”. لكن خلف هذه اللغة، يمكن تلمّس السعي الواضح لتثبيت هذه اللحظة سياسيًا، لا تركها مجرّد هدنة عابرة قد تنهار عند أول اهتزاز. هو، عمليًا، يحاول أن يبني فوقها، لا أن يكتفي بها.

لم يُقدَّم وقف النار كهدنة هشّة لالتقاط الأنفاس، بل كمعبر إجباري نحو "اتفاقات دائمة" تحصّن سيادة الوطن ووحدة أراضيه. الركيزة الأساس في هذا البناء الجديد تتمثل في هدفٍ لا مساومة عليه: "بسط سلطة الدولة" على كامل ترابها بقواها الذاتية "حصراً". وهذه الـ"حصراً" ليست مجرد تفصيل لغوي؛ إنها جوهر مشروع الحكم الذي ينهي عهد الازدواجيّة الأمنيّة والعسكريّة، ليصبح السلاح الشرعي هو الضامن الأوحد تحت سقف "دستور واحد وقوى مسلحة واحدة تحمينا كلنا".

وبغض النظر عن المفاعيل الّتي ستنجم عن الخطاب، برزت أهميّة اختيار الكلمات، فجاءت على سبيل المثال لا الحصر بضربة قاضية لمفهوم "وحدة الساحات"، وحسم الرئيس خيارات العهد: لا دماء لبنانية تنزف بعد اليوم فداءً لمصالح ونفوذ قوى خارجية، قريبة كانت أم بعيدة.

وفي إحدى أكثر الجمل وضوحًا، يرفض عون أن "يموت اللبنانيون من أجل مصالح الآخرين".

هذه العبارة تختصر الكثير. فهي، بشكل أو بآخر، تعبير عن رغبة في كسر نمط قديم، حيث كان لبنان يُستدرج مرارًا إلى صراعات لا يملك قرارها بالكامل.

وبحزم العارف بحجم الأثمان الباهظة التي دفعت، رفض الانجرار نحو "الموت العبثي المجاني" كرمى لقضايا لا تخدم المصلحة اللبنانية. فكانت المعادلة الجديدة جليّة ولا لبس فيها: اختارت الدولة مسار "الخطوات العقلانيّة التي تعمّر"، وأسقطت إلى غير رجعة "الشعارات المضللة التي تدمّر".

لكن بين القول والفعل مسافة معروفة، خصوصًا في بيئة إقليمية معقّدة كالتي تحيط بالبلد.

وأكثر ما لفت في الخطاب هو الإصرار على فكرة "استعادة القرار".

هذه العبارة، التي قد تبدو عادية للوهلة الأولى، تحمل في السياق اللبناني وزنًا كبيرًا. فهي تلامس واحدة من أقدم الإشكاليات: من يقرّر فعليًا؟

عون لم يشرح كيف ستتحقق هذه الاستعادة، لكنه وضعها كعنوان عريض للمرحلة المقبلة، وكأنها الهدف الذي سيُقاس عليه كل ما سيأتي.

الخطاب لم يبتعد عن الناس، بل حاول الاقتراب منهم بلغة بسيطة ومباشرة. واستحضار الخسائر والضحايا لم يكن بهدف إثارة العاطفة فقط، بل لإعادة تذكير الجميع بحجم الكلفة التي دُفعت. بهذا المعنى، بدا وكأن الرسالة تقول: ما حصل يجب أن يكون كافيًا لعدم تكراره.

لم يخفِ الخطاب أن المرحلة المقبلة ستتضمن مفاوضات، لكنه تعامل مع هذا الملف بحذر واضح.

وما التكرار المتعمّد لنفي الضعف أو التنازل أنّه لم يأتِ من فراغ، بل يعكس إدراكًا لحساسية الداخل اللبناني، حيث تختلط السياسة بالشعور العام، وغالبًا ما يُقرأ التفاوض كتنازل مسبق.

من هنا، بدا الرئيس كمّن يسبق الاعتراضات، لا كمن ينتظرها.

ولتثبيت هذا التحول الاستراتيجي، كان لا بد من ترميم المظلة الدوليّة والإقليميّة للبنان، وتوجيه رسالة الى الخارج فلم يغفل رئيس الجمهورية بتوجيه الشكر إلى جهات دولية وهو العالم بما سينتج عن قوله من ردود افعال سياسيّة في وطن يتصارع أبناءه على اصلاح صنبور مياه، ولم يتردد موجّهًا الشكر المباشر والعلني لـ"الصديق" الرئيس الأميركي دونالد ترامب و​المملكة العربية السعودية​، معولاً على متانة هذه الصداقات لإنجاز استحقاقات المرحلة المقبلة. وهذا الانفتاح يعكس تموضعاً دقيقاً يعيد ربط بيروت بعمقها مع الجوار العربي وعلاقاتها الدوليّة الفاعلة، مؤمّناً الغطاء الاقتصادي والسياسي اللازم للنهوض من تحت الركام.

وهذه الإشارات، وإن جاءت بصيغة دبلوماسيّة، تعكس حقيقة لا يمكن تجاهلها، أن ما جرى لم يكن منفصلًا عن توازنات خارجية، وأن ما سيأتي سيتأثر بها أيضًا.

الرئيس وفي رسالته استعمل استعارة بليغة، واصفاً اللبنانيين بأنهم ركّاب "سفينة واحدة"، محذراً إياهم من مغامرات الغرق الجماعي. وواجه بكل جرأة أصوات التخوين والتشكيك مراهناً على وعي الشعب، وداعياً لنبذ "غريزة الانتحار" والالتفاف حول مشروع الدولة لأنه الأضمن لبقاء الجميع. وبلهجة الأب الضامن، طمأن النازحين بعودة قريبة ومحتضنة، واعداً إياهم بإعادة بناء ما تهدّم، ليعود أفضل مما كان، يداً بيد.

ولكن الأهم عندما تحدّث عن هذه "السفينة"، لم يكن يكرّر عبارة تقليدية بقدر ما كان يلمّح إلى هشاشة الوضع الداخلي، لأنّ الفكرة بسيطة: لا أحد قادر على النجاة وحده. لكن في بلد مثل لبنان، حيث الانقسامات عميقة، تبدو هذه الدعوة أقرب إلى التمنّي منها إلى الضمانة.

انتهى الخطاب، لكن ارتداداته في المشهد السياسي اللبناني بدأت للتو. وها نحن نقف أمام مشهد تجرأت فيه الرئاسة على كسر القوالب التقليديّة الجامدة، لتعلن بصوت مسموع: آن للبنان أن يلتفت إلى جراحه، وأن يحيا لنفسه أولاً.

خطاب الرئيس رفع السقف عاليًا: لا تنازل، لا مساس بالسيادة، ولا تفريط بالحقوق.

هذا النوع من العناوين يمنح الخطاب قوّة، لكنه في الوقت نفسه يضع أمامه تحديًا صعبًا، لأنّ الترجمة العملية لأيّ اتفاق غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا من الشعارات.

في النهاية، يمكن القول إن خطاب بعبدا حاول أن يمسك العصا من الوسط: طمأنة الداخل، مخاطبة الخارج، وفتح الباب أمام مرحلة تفاوضيّة دون أن يظهر بمظهر المتراجع.

يبقى أن الاختبار الحقيقي لن يكون في الكلمات، بل في ما سيتبعها. ففي لبنان، اعتاد الناس أن يسمعوا الكثير من الخطابات… لكنهم ينتظرون دائمًا ما إذا كانت ستتحوّل فعلًا إلى أفعال.

فهل "يزمط" الرئيس جوزاف عون من ألغام الكلمات الجارحة الّتي ستطاله حُكْمًا من أي جهة كانت لتوجيه سهامها عليه، أم أن هناك مِن بين اللبنانيين مَنْ سينظر الى كلامه كبارقة أمل جديدة؟.