تتسارع التطورات في المنطقة منذ بداية شهر آذار الفائت، وتأخذ منحى غير متوقع في كثير من الاحيان. في ما يتعلق بلبنان، كانت خطوة اللقاء الذي جمع سفيري لبنان واسرائيل في واشنطن برعاية وحضور الادارة الاميركية (ممثلة بوزير الخارجية ماركو روبيو)، سريعة جداً وسبقها كلام شبه يومي لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالاستعداد للدخول في مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل لحل المشاكل العالقة بينهما، وجهود حثيثة لفصل الخط اللبناني عن مسار المفاوضات الاميركية-الايرانية في باكستان.
في الواقع، وعلى الرغم من الانقسام الحاصل في الداخل حول وجوب اجراء هذه المفاوضات ام لا، كان من الواضح اننا سنصل الى هذه النقطة عاجلاً ام آجلاً، ومن المؤكد ان التطورات التي رافقت دخول حزب الله على خط المواجهة بعد اغتيال السيد علي خامنئي، سرّع في التهيئة لمثل هذه الخطوة. وبالتالي، لا يمكن ان يفاجأ احد بالحديث والرغبة وقرب اجراء هذه المفاوضات، بغض النظر عن مكان حصولها وما يمكن ان يترتب عنها من نتائج.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في اعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب الاسبوع الفائت ان اتصالاً سيجمع الرئيس عون برئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، وحسناً فعل الرئيس اللبناني بإزالة الشك باليقين وعدم اجراء مثل هذه المكالمة. ولكن، يبدو ان اصرار ترامب بقي على حاله، اذ تحدث عن لقاء سيجمع الرجلين في واشنطن خلال ايام، وهنا لا بد من دعوة الرئيس اللبناني الى الانتباه وعدم التسرّع وتقييم المخاطر الكبيرة التي سيترتب عليها حصول هذا اللقاء في هذا الوقت بالذات، والى رفض الاجتماع المباشر برئيس الوزراء الاسرائيلي في الفترة التي حدّدها سيد البيت الابيض، لان أي لقاء من هذا النوع لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقه: وقف هشّ لإطلاق النار، وجود إسرائيلي داخل أراضٍ لبنانية، وضغط دولي لإنتاج تسوية سريعة. فيما لا يزال مصير المفاوضات المتوقعة في باكستان، غامضاً بالنسبة الى العالم اجمع. في مثل هذه الظروف، لا تكون الطاولة متكافئة، بل تبنى النتائج على ما يفرض قبل الجلوس، لا على ما يقال أثناءه.
المشكلة تبدأ حين يتم اللقاء بلا مقابل واضح. في هذه الحالة، يفقد لبنان إحدى أهم أوراقه: رفض التطبيع قبل الانسحاب. هذه القاعدة شكّلت، لعقود، ركيزة موقفه التفاوضي، والتخلّي عنها مجاناً يعني الدخول من موقع أضعف.
الأخطر من ذلك هو خطر تحويل الاحتلال إلى مسألة قابلة للتفاوض، لا إلى واقع يجب إنهاؤه فوراً. التفاوض في ظل وجود عسكري إسرائيلي قائم قد يكرّس هذا الوجود كأمر واقع، ويمنحه غطاءً زمنياً إضافياً تحت عنوان "المفاوضات الجارية".
في الداخل اللبناني، لا يقل المشهد تعقيداً. خطوة كهذه مرشحة لإحداث شرخ سياسي حاد، وربما شلل مؤسساتي. لبنان، بطبيعته التوافقية الهشة، لا يحتمل قرارات صادمة من هذا النوع من دون تداعيات، وقد لا يبقى التوتر في الإطار السياسي، بل قد يمتد إلى الشارع.
كما ان اللقاء، في حال حصل، يطرح اشكالية على المستوى القانوني والأخلاقي، خصوصاً في ظل ملاحقات دولية مرتبطة بالحرب، ووجود ملفات أمام المحكمة الجنائية الدولية يجعل أيّ انخراط مباشر مع القيادة الإسرائيلية عرضة لانتقادات حقوقيّة وسياسيّة، حتى لو لم تكن له تبعات قانونيّة مباشرة على لبنان.
ناهيك عن ان التجارب السابقة تظهر استغلال الفترات الانتقالية لتثبيت وقائع ميدانية جديدة. وفي غياب اتفاق سريع وملزم، قد يتحول "الانتظار" إلى فرصة لتعزيز مواقع عسكرية، أو فرض خطوط تماس جديدة، يصعب تعديلها لاحقاً.
وكما حصلت اللقاءات العلنية بين الجانبين اللبناني والاسرائيلي، ومع التحضير لمفاوضات مباشرة بين الجانبين، سنصل في وقت لاحق الى لقاء كبار المسؤولين، وهو امر لا مفرّ منه، ولكن لا يجب حدوثه في هذه الفترة تحديداً، فأولوية أي مقاربة لبنانية يجب أن تبقى واضحة: إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي، وبعدها يمكن الانتقال الى البحث في تذليل الاشكالات والخلافات الموجودة ان على صعيد الحدود البرية، او على صعيد العيش بسلام على جانبي الحدود.
يمكن للجميع ان يفهموا مقدار "الاغراءات" التي يمكن ان تلقى الى الرئيس عون للموافقة على لقاء نتنياهو، ولكن عليه الاخذ في الاعتبار ان هذه "الاغراءات" قد تعني نظرياً، توفير ضمانات أمنيّة أو على الأقل التزاماً سياسياً بردع أيّ خرق. إلا أنّ التجربة اللبنانية مع الضمانات الخارجيّة غير مشجعة، فما يمنح سياسياً قد لا يترجم ميدانياً بالسرعة اللازمة، كما انه يمكن للمفاوضات المباشرة بين الجانبين تحقيق نتائج ملموسة قد تجعل مثل هذا اللقاء اكثر واقعية وقبولاً.
وللتذكير فقط، فإن لبنان حالياً لا يملك ترف الخطأ. أيّ خطوة غير محسوبة قد تعيد رسم قواعد اللعبة بطريقة يصعب التراجع عنها.
وبين فرصة نادرة ومخاطرة كبيرة، يبقى الفارق تفصيلاً واحداً: ماذا سيحصل قبل أن يبدأ اللقاء، لا بعد أن ينتهي.


















































