أشار رئيس الحكومة نواف سلام، في كلمة امام مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، إلى أن "شراكتنا الطويلة معكم طالما شكّلت مصدر قوة وطمأنينة لشعبنا. وقد أكدت الدول التي تمثلونها، مرارًا وتكرارًا، رفضها لأن يكون لبنان ساحةً للحروب الإقليمية أو النزاعات الدولية، بل شددت على كونه بلدًا مستقلًا ذا سيادة، تتكامل فيه ثروات التعددية مع مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون. ثقوا أن مواقفكم المبدئية هذه تحظى بتقدير واسع في لبنان".
وأوضح أنه "مع دخولنا مرحلة جديدة من تاريخ لبنان المضطرب، عقب التوصل إلى وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي، نأمل أن يكون مستدامًا وأن يضع حدًا للحروب بالوكالة التي اثقلت كاهله لسنوات طويلة" مشيراً إلى أنه "نجد أنفسنا اليوم في حربٍ لم نسعَ إليها ولم نخترها. حربٌ جلبت ولا تزال تجلب ألمًا عميقًا لشعبنا، وتزرع الخوف في نفوس أولادنا"، لافتاً إلى أنه "لقد عانت أمتنا من صراعات متكررة، سواء كانت داخلية أم مفروضة من الخارج، استنزفت مواردنا وأضعفت قدراتنا. وجاءت هذه الحرب الأخيرة لتفاقم حجم الدمار، وتعمّق أزمتنا الاقتصادية، وتهدد استقرارنا الاجتماعي".
وشدد على أن "إنهاء هذه الحرب بات ضرورةً ملحّة. والطريق إلى ذلك يمر عبر صون سيادة لبنان، بل استعادتها كاملة، وحماية سلامة أراضيه. غير أن بلوغ هذا الهدف يقتضي مواجهة صريحة مع الواقع الداخلي الذي أضعف الدولة لسنوات طويلة: فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تبقى دائما عرضةً للخطر"، معتبراً أنه "لقد آن الأوان لتكريس مبدأٍ واضحٍ لا لبس فيه: لا قيام لدولةٍ مستقلة من دون مقومات سيادتها، ولا سيادة من دون سلطة شرعية واحدة تحتكر القرار الوطني".
وأكد أن "حكومتي ملتزمة باتباع مسار واضح ومسؤول للخروج من النزاع الراهن. وفي هذا السياق، انخرط لبنان مؤخرًا، وبحسن نية، في محادثات تحضيرية مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية في واشنطن"، مشيراً إلى أنه "وبالنسبة لنا، فإن خيار الديبلوماسية ليس علامة ضعف، بل هو تعبير عن مسؤولية وطنية تهدف الى عدم ترك أي مسار غير مستكشف لاستعادة سيادة بلدنا وحماية شعبه"، موضحاً أن "هدفنا ليس انخراطًا رمزيًا، بل على العكس، نحن مصممون على اغتنام هذه الفرصة للعمل نحو حل دائم"، ومضيفاً: "وتسعى حكومتي، من خلال هذا المسار الديبلوماسي، إلى إنهاء الاحتلال، وضمان الإفراج عن أسرانا، وتأمين عودة النازحين إلى منازلهم وقراهم".
وشدد على أن "إرادتنا في تكريس احتكار الدولة للسلاح، ووضع حدٍ للتدخلات الإقليمية في شؤوننا الداخلية، يجب ألا تكون موضع تساؤل بعد اليوم. وكما تعلمون، فقد اتخذنا سلسلة من الإجراءات الحاسمة في هذا الاتجاه، فقد باشرت حكومتي مؤخرا تنفيذ خطة لجعل بيروت منطقة خالية من السلاح، كما حظرنا الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله. ووجّهنا القوى الأمنية للتحري عن عناصر الحرس الثوري الإيراني العاملين سرًا على الأراضي اللبنانية واعتقالهم وترحيلهم وفقا للقوانين المرعية"، مذكراً بأنه في 5 آب 2025، اتخذت الحكومة اللبنانية قرارًا تاريخيًا بتكليف الجيش اللبناني بوضع خطة لفرض احتكار الدولة الكامل للسلاح على كل الأراضي اللبنانية، وفي 5 أيلول 2025، قدّم الجيش هذه الخطة إلى حكومتي حيث ناقشناها ورحبنا بها؛ وفي 8 كانون الثاني 2026، أعلن الجيش انهاء تنفيذ المرحلة الأولى منها عبر بسط السيطرة العملانية على جنوب نهر الليطاني، باستثناء المناطق التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي".
كما أكد "انه، الى حين التوصل إلى حل دائم، يجب ألا يكون جنود اليونيفيل ضحايا لهذا النزاع. فنحن ملتزمون التزامًا كاملًا بضمان سلامتهم وأمنهم، وندين بشدة أي اعتداء يستهدفهم"، مجدداً "تعازينا الحارة لحكومة فرنسا وعائلة الجندي الذي فقد حياته مؤخرًا، متمنين الشفاء العاجل للمصابين".
وأضاف: "لقد دعونا باستمرار إلى الالتزام الكامل بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، انطلاقا من قناعتنا بأن القيم التي يجسدانها هي قيم عالمية نلتزم بها، كما تفعل دول كثيرة، ولا سيما في أوروبا. فهي جزء من الخير المشترك الذي نتقاسمه، ولا يجوز تجاهلها أو التغاضي عنها في أي نزاع أو في أي مسعى لحله".
وأشار إلى أن "لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، مثقلًا بعبء حربين خلال أقل من ثلاث سنوات. وقبل اندلاع هذا النزاع الأخير في 2 آذار، كان نحو واحد من كل ثلاثة لبنانيين يعيشون تحت خط الفقر؛ أما اليوم، فقد ارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 40% من السكان، وخلال أقل من شهر، تضررت أو دُمّرت 40 ألف وحدة سكنية، ونزح أكثر من مليون شخص. وتشير التقديرات الأولية للبنك الدولي، التي تغطي الشهر الأول فقط من النزاع وقبل تصعيد 8 نيسان، إلى أن أضرار البنية التحتية والإسكان بلغت 1.4 مليار دولار، منها مليار دولار في قطاع الإسكان وحده، أما الأثر الاقتصادي الكلي فبالغ الشدة، إذ يُتوقع أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي هذا العام، في حين بلغ معدل التضخم نحو 15%".
وتابع: "لقد أُعلن مؤخرًا عن وقف إطلاق النار، غير أن المرحلة المقبلة لن تكون أقل صعوبة، بل تختلف في طبيعتها. فبينما سيعود بعض النازحين فورًا، سيتريث آخرون بحذر بانتظار استقرار الأوضاع. وفي هذه المرحلة، يبرز دور الدولة بوصفه عنصرًا لا غنى عنه. إذ يتعين علينا تقديم الدعم لمن فقدوا مصادر رزقهم، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي لتشمل من كانوا يعانون أصلًا قبل الحرب وتفاقمت أوضاعهم بعدها، إضافة إلى خلق فرص عمل تضمن تعافيًا مستدامًا. كما يجب الشروع في إعادة تأهيل البنى التحتية والمساكن المتضررة، ودعم البلديات لتلبية الاحتياجات الأساسية، وإعادة تأمين الوصول إلى الخدمات الصحية، وتعزيز قدرات المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، وضمان استمرارية التعليم من خلال إعادة تأهيل المدارس المتضررة أو المستخدمة كملاجئ".
وبينما أوضح أنه "اضافة الى كلفة التعافي وإعادة الإعمار، تقدّر كلفة الإغاثة بـنحو 500 مليون دولار للسنة الأولى"، لفت إلى أنه "نعرب عن بالغ امتناننا للاتحاد الأوروبي لتقديمه 100 مليون يورو كمساعدات إنسانية للاستجابة الطارئة، إضافة إلى مليار يورو كمساعدات تنموية للفترة 2024–2027"، مشيراً إلى أنه "من جهتنا كحكومة، فنحن ملتزمون بتكثيف كل الجهود الممكنة للتخفيف من الأعباء التي يعاني منها أكثر من مليون مواطن. ولهذا فإن إعادة بناء الثقة بالمؤسسات العامة هي أولوية".
ورأى أن "غياب مؤسسات قوية وفعالة يجعل تعافي لبنان أمرًا بعيد المنال. لذلك أؤكد أن حكومتي ماضية في تنفيذ برنامج الإصلاح الذي أعلنته قبل نحو 14 شهرًا، إدراكًا منها بأن تعافي لبنان يتطلب: إطارًا موثوقًا لإعادة هيكلة القطاع المالي، معالجة عادلة لودائع المودعين في المصارف واستعادة فعالية القطاع المصرفي. • وأخيرًا وليس آخرًا، تعزيز الانضباط المالي وترسيخ الحوكمة الرشيدة".
وأكد أن "حجم التحديات التي نواجهها هائل، ويستدعي تضامنًا دوليًا أكبر. ولبنان يحتاج اليوم إلى شركائه الأوروبيين أكثر من أي وقت مضى، في مواصلة دعمنا لمواجهة الأزمة الإنسانية غير المسبوقة، وفي تعزيز دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، ولا سيما عبر برنامج مرفق السلام الأوروبي. فالمعادلة واضحة: كلما كان الجيش اللبناني اقوى، ضعفت الجهات المسلحة غير الشرعية، وفي دعم جهود التعافي وإعادة الإعمار، بوصفها حجر الأساس للاستقرار طويل الأمد في لبنان… وفي المنطقة عموما".
















































