يأخذُ هذا ​الكتاب​ القارئ في رحلةٍ جديدةٍ، مؤثّرةٍ وفريدة من نوعها. مزج الكاتبُ الأب ​بشارة ايليا الراهب الأنطوني​ بين ​الحب​ّ و​الإيمان​ِ والتّضحيةِ بطريقة ساحرة ومبتكرة. فهو قدّم تجربةً أدبيّةً ذات طابع روحيّ وإنسانيّ عميق، فحاول تجاوز المفهوم التّقليديّ للحبّ وغاص في أبعاده الإيمانيّة والتّضحية المرتبطة به.

نسجَ حبكتيْنِ تشدّان انتباه القارئ منذ الصّفحات الأولى، كلّ منهما تعكس صراعًا داخليًّا قويًّا بين الأمور الحياتيّة والدّعوة الرّوحيّة، معتمدًا على مزيج من الغموض والتّدرّج في كشف الأسرار.

أُثني على قدرة الكاتب على تصوير الصّراع الدّاخليّ للشّخصيّتين كشخصيّة "​الأخت ماري جوزيف​". هذا الصّراع نُسجَ بأسلوبٍ مؤثّر، يُشعرنا بصدق التّجربة ويجعل القرار الّذي تتّخذه الرّاهبة منطقيًّا رغم قسوته. إنّ توظيف البعد الرّوحيّ أضفى على الحبكة بعدًا روحيًّا تأمّليًّا.

إذًا، في القصّة الأولى حياة راهبة شابّة "الأخت ماري جوزيف"، الّتي تحملُ قلبًا نابِضًا بالحبّ، لكنّها تختارُ ترك الرّجل الّذي تحبّه، لا بسبب الخوف أو الضّعف، بل بدافع إيمانها العميق وتفانيها ليسوع. هذا الاختيار لا يقتصر على الانفصال العاطفيّ، بل يظهرُ رحلة روحانيّة ملهمة، فراح ينبض قلبها بحبّ أقوى وأزليّ.

زيّن الغموض القصّة بأسرارٍ تمّ اكتشافها تدريجيًّا أمام القارئ، فأصبحت كلّ لحظة مليئة بتساؤلات عدّة. فالرّاهب "​جيلبير​" الّذي وحده اكتشف سرّ الرّاهبة وجد نفسه في شبكة مواقف صامتة....

اختبأ هذا السّرّ في حنايا قلبها لوقت طويل، ولم يكتشفه سوى الرّاهب الحكيم. فوجئ بتضحياتها، فكيف لها أن تتخلّى عن رجلٍ عشقها لهذه الدّرجة!

في القصّة الثّانية، اكتشفنا شخصيّة الرّاهب أكثر. فهو وجد نفسه مندفعًا نحو امرأة ويعيش حياة مراهق.

يرافقُ القارئ الأب "جيلبير" في كلّ صراعاته الدّاخليّة الّتي عاشها... منذ أن تحرّكت مشاعره وأحسّ أنّ تصرّفاته صبيانيّة حتّى أجبرَ في النّهاية على كبتها. لم يكنِ الغموض مجرّد عنصر تشويقيّ بل وسيلة ليكشفَ لنا الكاتب أنّ ما وراء الحبّ أرقى من أيّ شعور. لذلك، قرّر أن يتركَ مشاعره جانبًا ويركّز من جديد على دعوته الرّوحيّة.

يروي لنا الكاتب أهمّيّة حبّ اللّه الّذي يفوق كلّ تعلّق بالأمور الأرضيّة، ويعلّمنا أنّ الحبّ الحقيقيّ هو عشق اللّه ولا أحد غيره.

أمّا على الصّعيد اللّغويّ فتميّز أسلوب الكاتب بسلاسة لغته وسهولة المفردات مع حضور واضح للعاطفة.

تميّز هذا العمل الأدبيّ ونجح في لفت انباهي ككاتبة، وهو يستحقّ القراءة لما يحمله من رسالة إنسانيّة وروحيّة وقدرة على ملامسة عاطفة القارئ وفتح آفاق جديدة لكتابة قصّة من وحي "ما وراء الحبّ".

في النّهاية، يبقى القارئ فضوليًّا ليكتشف الأحداث وما تخبّئه...فلا يشعر بالملل لأنّ كلّ صفحة تحمل مفاجأة صغيرة، وكلّ شخصيّة تجعلك تعيش معها صراعها الدّاخليّ، فتترقرق الدّموع أحيانًا من براءة الكلمات، فكأنّها تحدّثنا وتحمل معها آهات الآلام وهواجس القلوب فتطرق أبواب روحنا لتخبرنا عن حياة راهب وراهبة فضّلا "ما وراء الحبّ".