أشار متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المطران الياس عودة، خلال ترؤّسه خدمة القدّاس الإلهي في كاتدرائية القدّيس جاورجيوس في وسط بيروت، لمناسبة عيد القديس جاورجيوس، إلى أنّ "في هذا اليوم المبارك، تقيم كنيستنا المقدّسة تذكارًا للقدّيس العظيم في الشّهداء جاورجيوس الحائز راية الظفر. الشّهادة المسيحيّة ليست تفصيلًا في تاريخ الكنيسة، بل هي ثمرة طبيعيّة للمحبّة الحقيقيّة للمسيح، واختبار حيّ لنعمة الله الّتي تعمل في ضعف الإنسان".
ولفت إلى أنّ "الرّبّ يضع أساس الحياة الرّوحيّة في وصيّة المحبّة، لأنّ "الله محبّة" (1يو 4: 8)، ومن يثبت في المحبّة يثبت في الله. هذه المحبّة ليست كلامًا، بل صليب"، مركّزًا على أنّ "إيمان القديس جاورجيوس لم يكن مجرّد اعتقاد موروث، بل كان نارًا حيّةً أحرقت كلّ خوف في قلبه، وجعلته يختار المسيح مثالًا لحياته وقدوة".
وذكر عودة أنّ "حين يعيش المسيحي بمقتضى الحق والعدل والمحبّة، يصبح غريبًا عن روح هذا الدّهر. يقول القديس يوحنا الذّهبي الفم: "لا تتعجّب إن أبغضك العالم، لأنّ حياتك توبّخه". النّور يكشف الظّلمة، لذلك تقاومه الظّلمة. هكذا عاش القديس جاورجيوس، جنديًّا في جيش أرضي، لكنّ قلبه كان منتميًا إلى الملكوت السّماوي، فلم يساوم على الحق، أو يساير الباطل منكرًا الإله الحق".
وشدّد على أنّ "الآلام الّتي احتملها القديس جاورجيوس لم تكن دليل هزيمة، بل كانت طريق مجد. يقول القديس باسيليوس الكبير: "إنّ الآلام الحاضرة ليست شيئًا إن قيست بالمجد العتيد أن يستعلن فينا". فكلّما اشتدّ العذاب وتضاعفت الآلام، كان إشراق النّعمة يزداد في هذا القدّيس، حتى صار جسده المعذّب منبرًا يشهد لقوة الله. هنا يتجلّى بوضوح أنّ الشّهادة ليست بطولة إنسانيّة، بل نعمة إلهيّة تُعطى لمن يسلّم ذاته بالكامل للمسيح".
كما أوضح أنّ "هذا الترابط بين المحبّة والاضطهاد والنّعمة، يفسّر دعوة الكنيسة لنا اليوم. فنحن لسنا مدعوّين لنكرّم القديس جاورجيوس وحسب، بل لنحيا روحه. يقول القدّيس مكسيموس المعترف: "من أحبّ الله حقًّا، لا يفضّل شيئًا عليه". بداية الطريق أن نضع المسيح في قلب حياتنا، لا على هامشها، وأن تكون قراراتنا وأفكارنا وعلاقاتنا منطلقة من المحبّة الّتي أوصانا أن نحياها".
وأضاف عودة: "هذا ما نأمل أن يتحقّق في مؤسّسات أبرشيّتنا، الّتي تتخذ من القديس العظيم في الشّهداء جاورجيوس شفيعًا لها. فالعمل في المستشفى والجامعة وبيت القديس جاورجيوس، وفي سائر مؤسّسات الأبرشيّة، هو المكان المناسب لتجلّي هذه المحبّة، رغم كلّ الصّعوبات والاضطهادات الّتي قد تواجه من التزم العمل في حقل الرّبّ. ونحن واثقون أنّ النّعمة الإلهيّة لا بدّ أن تحضر في المكان الّذي تعمل فيه المحبّة بصدق وأمانة".
وأكّد أنّ "الكنيسة ليست فقط جماعة مصلّية، إنّما أيضًا جماعة تجسّد الكلمة الإلهيّة في أعمال المحبّة والرّحمة والخدمة. فلكي تكون الكلمة الإلهيّة حيّة وفاعلة، هي تتجسّد في المحبّة. وإن لم تتحوّل إلى فعل محبّة وخدمة، تبقى مجرد تعليم نظري"، مبيّنًا أنّ "إلهنا لم يكتف بالكلام، بل تجسّد وحمل أثقالنا ومات عنّا. هل كثير إن نحن أحببنا كما أوصانا، وجسّدنا محبتنا خدمة وبذلا وعطاء؟ لهذا أنشأت الكنيسة عبر التاريخ مؤسّسات استشفائيّة ورعائيّة وتربويّة، هدفها تجسيد المحبّة الّتي أوصى بها الرّب يسوع، والشّهادة لاسمه في هذا العالم المادي المتقلّب، حيث يصبح الثّبات في الإيمان ضرورة".
وأوضح أنّ "الاضطهاد اليوم قد لا يكون بالسّيف، لكنّه حاضر بأشكال أخرى كالضّغوط المعيشيّة، الإغراءات المادّيّة، والحروب والقتل والظّلم والتشكيك والانتقاد والمساومة"، لافتًا إلى أنّ "المؤمن الحقيقي يعيش إيمانه بصدق وصبر وثبات، رغم كلّ الضيقات، متّكلًا على عون الله".
وختم عوجة: "عيد القدّيس جاورجيوس ليس تذكارًا من الماضي، بل دعوة حاضرة لنعيش الإنجيل بملئه: أن نحبّ حتى النّهاية، وأن نثبت في وجه التجارب، وأن نثق بأنّ الله يعمل فينا، وأن نعيش على رجاء القيامة. فلنطلب شفاعة هذا القدّيس العظيم، لكي يعلّمنا كيف نحمل صليبنا بفرح، ودون خوف من المضطّهدين والظّالمين، وكيف نحوّل حياتنا إلى شهادة حيّة للمسيح".