اختتم وزير العدل عادل نصار زيارة رسمية إلى العاصمة البلجيكية بروكسل استمرّت يومين، لبّى خلالها دعوة وجّهها إليه الاتحاد الأوروبي للمشاركة في أعمال مؤتمر "أيام بناء المؤسسات" (Institution Building Days) لسنة 2026، وعقد سلسلة من اللقاءات مع كبار المسؤولين في المفوضية الأوروبية والدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية.
وشارك الوزير نصار في أعمال المؤتمر، حيث ألقى كلمة استعرض فيها تجربة لبنان في مجال إصلاح القطاع القضائي، مؤكّدًا "الأهمية البالغة لبرامج الدعم الفني التي يقدّمها الاتحاد الأوروبي، ولا سيما أداة TAIEX وسائر برامج التعاون في مجال العدالة".
استهلّ كلمته بالإشارة إلى الظروف الصعبة التي يمرّ بها لبنان، قائلًا إنه يتحدث عن العدالة فيما لا تزال أصداء الحرب تدوي في بلاده، داعيًا المجتمع الدولي إلى عدم التغاضي عن انتهاكات القانون الدولي وحقوق الإنسان أينما وقعت، ومشدّدًا على أن "العدالة حين يُداس عليها في أي بقعة من الأرض، فإن الشرّ ينتشر كالسرطان في سائر أنحاء الكوكب".
وأعرب عن اعتزاز لبنان بهذه الشراكة، مستذكرًا شعار الاتحاد "متّحدون في التنوّع"، ومعتبرًا أن هذا الشعار يجد صداه في الخصوصية اللبنانية القائمة على العيش المشترك والتعدّدية. وشكر سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان ساندرا دي وال وفريقها على الدعم الثابت للبنان في ملفات إصلاح العدالة.
وعرض أبرز محطات الإصلاح القضائي التي شهدها لبنان في السنوات الأخيرة، مؤكّدًا أن ما تحقّق حتى اليوم ليس سوى بداية المسار الإصلاحي الذي تعتمده الحكومة في قطاع العدالة.
وتوقّف خصوصًا عند تجربة "منتدى العدالة" (Justice Forum) الذي أُطلق بمبادرة من الاتحاد الأوروبي وبدعم فاعل من برنامج TAIEX، واصفًا إياه بأنه إطار تشاركي غير مسبوق جمع مختلف الأطراف المعنية في العملية التشريعية، ولا سيما خلال إعداد مشروع قانون التنظيم القضائي (قانون استقلالية القضاء).
وأوضح أن المجلس الدستوري كان قد ردّ المشروع لسبب شكلي، إلا أن وزارة العدل ماضية في العمل بعزم وإصرار لتقديم نسخة محدّثة من القانون، فيما يواصل المنتدى عمله على ملفات تشريعية أخرى تشمل توسيع الوصول إلى العدالة، وقضاء الأحداث، والقانون الجزائي، بما يرسّخ دولة القانون ويعزّز ثقة المواطنين بالمؤسسات.
ونوّه نصار بالتعاون مع فرنسا في مجال تدريب الكوادر القضائية وتجهيز معهد الدروس القضائية، معتبرًا أن "الاستثمار في تدريب القضاة والعاملين في قطاع العدالة هو من الركائز الأساسية لأي إصلاح مستدام".
وبالنسبة إلى أفضل الممارسات المستخلصة من العمل مع أدوات الاتحاد الأوروبي، توقّف الوزير نصار عند تجربتين بارزتين وصفهما بأنهما نموذجيتان للتعاون المثمر بين لبنان والدول الأعضاء في الاتحاد: المشروع الأول هو رقمنة السجل التجاري اللبناني، الذي يُنفّذ بدعم من الجمهورية الاتحادية الألمانية.
وأوضح الوزير أن العمل يسير وفق مقاربة تدريجية قوامها "التقدّم جيدًا لا التقدّم بسرعة"، بحيث ستتم رقمنة البيانات الجديدة أولًا ثم البيانات الأقدم تباعًا. ولفت إلى أن هذه الرقمنة ستشكّل حجر الأساس لمشروع أوسع يهدف إلى تسهيل الوصول إلى المعلومات ومكافحة التهرّب الضريبي وتبييض الأموال عبر الربط الإلكتروني بين الإدارات المعنية، شاكرًا ألمانيا على دعمها المادي والمعنوي للمشروع.
أما المشروع الثاني بحسب نصار فيتمثّل في مساندة الجمهورية الفرنسية لمعهد الدروس القضائية، إذ تقدّم فرنسا دعمًا متواصلًا في مجال تدريب القضاة والعاملين في قطاع العدالة، وتجهيز المعهد بما يلزم من معدّات ووسائل تعليمية، فضلًا عن المساهمة في تأهيل الكوادر التدريسية. واعتبر الوزير نصار أن الاستثمار في تكوين القضاة يُشكّل ركيزة أساسية لأي إصلاح قضائي مستدام، مثنيًا على الشراكة الوثيقة مع فرنسا في هذا المجال الحيوي.
أما المشروع الثالث فهو التعاون مع هولندا في مجال التواصل حول العمل القضائي، إذ يجري العمل على إطلاق منصّة إعلامية تُتيح لمجلس القضاء الأعلى التواصل بشكل أفضل مع الرأي العام، وإبراز نتائج عمل القضاء، بما يعزّز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة وبمسار الإصلاح في قطاع العدالة.
وحدّد نصار ثلاثة مشاريع رئيسية ستعمل عليها وزارة العدل اللبنانية في المرحلة المقبلة، وهي رقمنة المحاكم اللبنانية لتأمين الربط المباشر بين الأجهزة القضائية والمتقاضين والإدارات المعنية، بما يعزّز مكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرّب الضريبي، ويُتيح متابعة عمل المحاكم وتقييم أداء القضاة وفق معايير موضوعية وشفافة.
ومن المشاريع، لفت إلى انضمام لبنان إلى المنظمات والاتفاقيات الدولية التي لم يلتحق بها بعد، ولا سيما مؤتمر لاهاي للقانون الدولي الخاص، بما يُتيح للبنان مواكبة التطورات الدولية في مجال التعاون القضائي، والاستفادة من آليات معتمدة على نطاق واسع مثل نظام التصديق (Apostille) لتسهيل الاعتراف المتبادل بالوثائق.
وأشار إلى استكمال خطوات تنفيذ اتفاقية يوروجست (Eurojust)، عبر الإسراع في إنجاز مشروع قانون حماية البيانات الشخصية بعد تلقّي ملاحظات الاتحاد الأوروبي عليه، وذلك للوصول إلى تعاون قضائي أكثر فاعلية مع الجانب الأوروبي في مكافحة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود.
واختتم مداخلاته بالتأكيد أن الاتحاد الأوروبي يُشكّل مرجعًا أساسيًا للبنان في عالم يمرّ بمرحلة انتقالية مضطربة، مستشهدًا بمقولة الأديب ألبير كامو: "احذروا، حين تمرض الديمقراطية تأتي الفاشية إلى جانب سريرها، لكنها لا تأتي للاطمئنان عليها..."، ومؤكدًا التزام لبنان المساهمة في صون القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومواصلة العمل من أجل قضاء مستقل وفعّال يُشكّل ركيزة لإعادة بناء الثقة الداخلية والدولية بلبنان.
وعقد الوزير نصار، على هامش مشاركته في المؤتمر، سلسلة من اللقاءات الرسمية استهلّها بلقاء وزيرة العدل البلجيكية أنيليس فيرليندن، بحث خلاله معها سبل تعزيز التعاون القضائي الثنائي بين لبنان وبلجيكا، ولا سيما في مجالات التعاون القضائي الدولي ومكافحة الجريمة العابرة للحدود وتبادل الخبرات في الإصلاح القضائي.
كما التقى كبار المسؤولين في بروكسل، وشملت اللقاءات المديرة العامة للعدالة والمستهلكين في المفوضية الأوروبية، السيدة آنا غاليغو توريس، والمدير العام بالإنابة للمديرية العامة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج في المفوضية الأوروبية، السيد ميشائيل كارنيتشنيغ، والممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان، كايسا أولونغرن، والمديرة الإدارية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية، هيلين لو غال.
تناولت اللقاءات سبل تعميق التعاون القضائي الثنائي، والبرامج الجارية والمستقبلية لدعم الإصلاح القضائي في لبنان، فضلًا عن المستجدات الإقليمية وانعكاساتها على لبنان وعلى استقرار النظام القضائي وسيادة القانون فيه.
وغادر وزير العدل بروكسل متوجهًا إلى فرنسا للمشاركة يوم الجمعة في طاولة مستديرة في معهد العلوم السياسية في باريس (Sciences Po Paris).
























































