تتحرّك الرياض في الملف اللبناني على إيقاعٍ متسارع، لا يشبه اندفاعات المراحل السابقة، فهي لا تكتفي بإدارة الوقت بانتظار ما ستؤول إليه المنطقة بل تحاول فتح مسار لبناني بالتوازي يمنع الانفجار ويكبح جماح المهرولين مجانا للتفاوض.
الخميس برزت زيارة الموفد السعودي يزيد بن فرحان إلى عين التينة صباحاً، ثم اتصال وزير الخارجية السعودي برئيس المجلس النيابي نبيه بري ظهراً، وصولاً إلى الحديث عن زيارة ثانية لبن فرحان حصلت مساء، وكل ذلك كان إشارة واضحة إلى أنّ ثمة قراراً بالانخراط السعودي المباشر في لحظة لبنانية حساسة جدا، حيث تختلط حسابات الداخل بارتدادات الإقليم وتطورات المنطقة التي تمر بمخاض صعب.
في الشكل، تبدو الخطوة السعودية بحسب مصادر سياسية متابعة وكأنها محاولة لإعادة جمع الخيوط المتفلتة داخل الساحة اللبنانية، بعد مرحلة من التباعد الحاد في المواقف، خصوصاً مع تصاعد خطاب يدفع نحو فتح قنوات تفاوض مباشر مع إسرائيل تحت عناوين مختلفة وبلا الحد الادنى من التوافق الداخلي.
أما في المضمون، فهي تعكس بحسب المصادر إدراكاً بأن ترك المسار اللبناني يتفلّت بالكامل سيؤدي إلى نتائج لا يمكن ضبطها لاحقاً، لا على مستوى التوازنات الداخلية ولا على مستوى موقع لبنان في معادلة الصراع الأوسع بالمنطقة، لذلك كان لابد من التدخل.
تكشف المصادر عبر "النشرة" أن العناوين التي يجري التداول بها حول هذا الحراك تتعلق بتقريب وجهات النظر في الداخل، دعم موقع رئيس الحكومة نواف سلام، ضبط إيقاع المسار التفاوضي مع العدو الاسرائيلي، وتثبيت اتفاق الطائف كمرجعية نهائية للنظام اللبناني مع السعي لتطبيقه كاملا، مشيرة الى ان هذه العناوين هي محاولة لرسم سقف سياسي يمنع الانزلاق نحو خيارات كبرى قبل نضوج ظروفها، أو قبل الحصول على أثمان واضحة في المنطقة وضمن مسار عربي لا مسار منفصل.
في خلفية هذا التحرك، ترى المصادر انه لا يمكن فصل الاتصالات السعودية مع كل من إيران ومصر عن المشهد. فالسعودية، التي اختبرت خلال السنوات الماضية حدود الاشتباك المفتوح مع ايران، تبدو اليوم أكثر ميلاً لإدارة التناقضات بالملف اللبناني بدل السماح بتفجيره، وهو ما ينعكس اليوم مباشرة على مقاربتها للملف اللبناني.
هنا يمكن بحسب المصادر طرح اسئلة كثيرة، فهل يمكن إنتاج تسوية داخلية تحفظ الحد الأدنى من التوازن من دون الانزلاق إلى مسار تطبيعي مفتوح مع إسرائيل، أم أن الضغوط الدولية والإقليمية والاميركية تحديدا ستدفع باتجاه كسر هذا السقف عاجلاً أم آجلاً؟
تعتبر المصادر ان ما يظهر حتى الآن هو أن الحراك السعودي نجح، ولو مرحلياً، في تبريد الاندفاعة نحو ما سُمّي بالسلام المباشر، وأعاد النقاش إلى سقف المبادرة العربية للسلام، بما تعنيه من ربط أي مسار مع إسرائيل بشروط سياسية واضحة لا تزال بعيدة التحقق.
في المقابل، لا تبدو الساحة اللبنانية موحّدة في قراءتها لهذا المسار، فثمة من يرى في التحرك السعودي فرصة لإعادة تثبيت التوازنات ومنع الانهيار السياسي، فيما يقرأه آخرون كإعادة تموضع بسيط لا يغيّر في جوهر الصراع القائم. بين هذين التقديرين، تتحرك القوى السياسية الداخلية بحذر، مدركة أن أي خطأ في الحساب قد يكلّفها أثماناً سياسية كبيرة.
حتى الآن، ترى المصادر أنه من المبكر إصدار حكم نهائي على هذا المسار. ما تحقق هو كبح اندفاعة السلطة، وضبط الوضع الداخلي، وفتح قنوات تواصل كانت مجمدة من اجل جمع رؤساء الجمهورية والنواب والحكومة وتوحيد الموقف تحت السقف العربي والضمانات العربية. أما ما لم يتحقق بعد فهو ترجمة هذه الحركة إلى تفاهمات صلبة قابلة للحياة.