في السلم كما في الحرب، يستمرّ استهداف الصحافيين في جنوب لبنان، ليكرّس نهجًا إسرائيليًا ثابتًا لا يجوز حصره ضمن فوضى الميدان أو الالتباس العسكري، خصوصًا حين يكون الهدف هو القتل بلا أيّ التباس. هذا ما حصل تمامًا مع الصحفية آمال خليل التي نجت من الغارة الأولى، فاحتمت بأحد المنازل، لتُستهدَف مرّة ثانية، ثمّ تُمنَع سيارات الإسعاف من الدخول لمحاولة إنقاذها، في مفارقة عصيّة على الاستيعاب، تمامًا كصمت المجتمع الدولي.
لم تقع هذه الجريمة المروّعة في "ذروة" الحرب الإسرائيلية على لبنان، يوم كانت تشرّع إسرائيل لنفسها عدم التمييز بين المدنيين والعسكريين، ولكن في فترة يسمّونها "وقف إطلاق نار"، أو "هدنة" يفترض الصحافيون أنّها "فسحة" لهم من أجل الدخول إلى مناطق كانت محظورة عليهم، فيكتشفوا ما حلّ فيها خلال الأيام الأخيرة، خصوصًا أنّ الهدنة بمعناها العام يفترض أن تخفض منسوب النيران، وتفتح بالتالي نافذة للتفاوض.
لعلّ هذا التقاطع بين كلّ هذه العوامل يعزّز "خطورة" جريمة اغتيال الصحافية آمال خليل، التي كانت توثّق مع الزميلة المصوّرة زينب فرج آثار ضربة سابقة، حين استهدفت غارة إسرائيلية محي مركبتهما، فلجأتا إلى أحد المنازل، ليتمّ استهداف المكان الذي احتمتا به لاحقًا. هنا تحديدًا تكمن الخطورة، ليس فقط في فقدان صحافيةٍ مهنية ومحترمة، بل في طبيعة "الرسالة" الكامنة خلف ملابسات الجريمة التي تعرضت لها.
فعندما ينجو الصحافي من الضربة الأولى ليُقتل في مكان احتمائه، يخرج النقاش من دائرة "الأضرار الجانبية" إلى واقعةٍ توحي بأن الخطر يلاحق المراسل حتى في لحظة الفرار. ورغم نفي إسرائيل تعمد استهداف الصحافيين وادعائها ملاحقة عناصر مرتبطة بـ"حزب الله"، إلا أن تكرار هذا النمط يجعل النفي وحده غير كافٍ لإغلاق ملف التساؤلات، فهل صار الصحافي في الجنوب يُستهدف لأنه ينقل ما يحدث، لا لأنه صادف أن كان قريبًا من الخطر؟
حين تصبح الشهادة نفسها هدفًا
في الحروب، لا تستهدَف الأجساد فقط، وإنما تُستهدف الروايات التي تنقلها تلك الأجساد إلى العالم. هذا بالتحديد هو جوهر مفهوم "حرب السردية" التي تفوّق فيها الفلسطينيون في حربهم الأخيرة، رغم فداحة الخسائر العسكرية، وهو ما ترجم على مستوى الشارع الغربي، وفي الجامعات، حيث بدا أنّ كثيرين اكتشفوا القضية الفلسطينية، وتعمّقوا فيها، ليعرفوا أنّ ثمّة شيئًا كان غائبًا عن السردية التي تصلهم، أو ربما مغيّبًا.
من هنا، فإنّ الإسرائيلي الذي يشرّع لنفسه قتل كلّ ما من شأنه أن يقوّي الخصم في حربه الميدانية، وبالتالي استهداف القادة الميدانيين قبل السياسيين، يمكن أن يشرّع لنفسه قتل كل ما من شأنه أن يقوّي موقف الطرف الآخر أيضًا على مستوى حرب السردية. وبهذا المعنى، يُفهَم الاستهداف المتكرر للصحافيين في جنوب لبنان، فهم إلى جانب نقلهم الصورة والركام، يربطون بين الضربة ونتيجتها، وبين الفعل العسكري وأثره الإنساني والمكاني.
من هذه الزاوية، يصبح الصحافي خصمًا للرواية الأحادية، لأن وجوده الميداني يفرض على الحرب شاهدًا حيًا لا يمكن ضبطه بسهولة. وإذا كان استهدافه يتكرر، فإن الرسالة لا تُقرأ فقط كمحاولة لإسكات فرد، وإنما كمحاولة لإضعاف من يملك القدرة على توثيق الحرب من داخلها. ولذلك، لا تبدو جريمة الطيري واقعة معزولة، فقبلها استشهد صحافيون في ضربات إسرائيلية عدّة، كان آخرها في 28 آذار، حين أقرّ الجيش الإسرائيلي باغتيال المراسل علي شعيب، بزعم ارتباطه بـ"حزب الله"، وكأنّ ذلك كافٍ لتبرير جريمة قتل الصحافيين.
وفي هذا السياق، يبرز الموقف الصادر عن لجنة حماية الصحافيين التي رأت في جريمة اغتيال خليل مؤشرًا يستدعي تحقيقًا دوليًا عاجلًا، معتبرة أن عرقلة وصول الطواقم الطبية قد ترقى إلى "جريمة حرب". ولعلّ أهمّ ما في هذا الموقف هو توصيف اللجنة لوجود "نمط" متزايد من الاعتداءات الإسرائيلية بحق الصحافيين، وهو ما يعني أن التكرار لم يعد خطأً عابرًا، وإنما بات جزءًا من الممارسة الميدانية يستدعي التعامل الحازم معه.
من استهداف الصحافي إلى تعطيل من ينقذه
الجريمة هنا لا تنتهي في لحظتها، وإنما تمتدّ إلى ما يعقبها، حين يتحوّل الوصول إلى الضحايا إلى مهمةٍ محفوفةٍ بالنيران، حتى إنّ الدولة اللبنانية المنفتحة على التفاوض المباشر مع إسرائيل، وجدت نفسها في موضع لا تُحسَد عليه، حين بدأ لمسؤولون فيها يخرجون تباعًا ليناشدوا هذه اللجنة أو تلك السماح لسيارات الإسعاف بالدخول إلى منطقة حوصر فيها صحافيون لم يرتكبوا أيّ ذنب، سوى تغطية ما يجري على أرض بلدهم.
هذا التحول بالغ الدلالة، لأنه يعني أن الحرب لا تكتفي بإنتاج الضحية، وإنما قد تعمل أيضًا على إدارة ما بعد الضحية: من يصل، متى يصل، وهل يُسمح له أن ينقذ، أو حتى أن ينتشل الجثمان؟ في هذه اللحظة تحديدًا، تصبح الحرب على الشاهد حربًا على الزمن أيضًا، لأن التأخير نفسه يصير جزءًا من النتيجة.
وهنا، يلتقي مصير آمال خليل مع منحىً أوسع برز مؤخرًا في الجنوب، يتمثل في الاستهداف المنهجي للمسعفين وفرق الإنقاذ، وبرز قبل ذلك في غزة، كما لم يبرز في أيّ مكان آخر. فعندما يتعرض الصحافي والمسعف للتهديد داخل المشهد نفسه، لا يعود الأمر متعلقًا بحماية الإعلام وحده، وإنما بانهيار أبسط قواعد تحييد من لا يقاتل، ومن يحاول فقط أن يشهد أو يسعف أو ينتشل.
المشكلة في المحاسبة
من الناحية القانونية، القاعدة ليست غامضة. اللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد، استنادًا إلى المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول، أن الصحافيين الذين يؤدون مهمات مهنية في مناطق النزاع يُعدّون مدنيين ويتمتعون بالحماية المقررة لهم ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية. كما أن مجلس الأمن في قراره 1738 أدان الهجمات على الصحافيين والعاملين في الإعلام في النزاعات المسلحة.
هذا يعني أن تحييد الصحافي ليس مطلبًا نقابيًا فحسب، بل قاعدة قانونية مستقرة. لكن المعضلة تكمن في غياب الكلفة المترتبة على الانتهاك. فمنذ استشهاد المصور عصام عبد الله في جنوب لبنان عام 2023، بقيت المحاسبة معلقة رغم التحقيقات والاتهامات القوية.
واليوم، مع آمال خليل، يتكرر السؤال نفسه: ماذا يبقى من النص القانوني حين لا يردع تكرار الوقائع؟ هنا يقع الخطر الأكبر، لأن الحماية التي لا تسندها مساءلة فعلية تتحول تدريجيًا إلى قيمة أخلاقية مجردة، فيما الميدان يفرض منطقه الخاص بالقوة والتكرار والإنكار.
في المحصلة، لا تختصر جريمة الطيري مسألة أمن صحافية واحدة، على فداحة ذلك، وإنما تكشف شيئًا أعمق: أن جنوب لبنان يقترب من مرحلة تُستباح فيها الشهادة نفسها. من يحمل الكاميرا يقترب من الخطر، ومن يحاول إنقاذه يقترب من الخطر أيضًا، ومن يصرّ على توثيق ما جرى يصبح جزءًا من معركة على الرواية لا تقل شراسة عن المعركة على الأرض.
لذلك، فإن السؤال الذي تفرضه آمال خليل اليوم هو: هل ما تزال هناك إرادة فعلية لحماية الشهادة، وبالتالي منع تحول الصحافي إلى هدف، أم أن الجنوب دخل فعلًا مرحلة استباحة الشاهد؟




















































