يتقدّم الطرح الإيراني الجديد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع مسارات التفاوض مع وقائع ميدانية لا توحي بالتهدئة بقدر ما تعكس استعداداً لجولة أكثر حدّة من خلال قراءة عملية التحشيد العسكري المستمرة رغم كل ما يقال عن المفاوضات القائمة.
بينما يُقرأ الطرح الإيراني الجديد كإشارة إلى استعداد للتعاطي مع مسار سياسي بشروط مختلفة، تكشف حركة الميدان عن صورة اخرى عنوانها استمرار التحشيد العسكري بشكل متواصل، ونقل منظّم للسلاح والعتاد الى إسرائيل والقواعد العسكرية الاميركية بالمنطقة، وتثبيت قواعد اشتباك تبقى قابلة للانفجار عند أول فرصة سانحة لذلك.
المعطيات المتقاطعة من أكثر من مصدر دولي تشير إلى أنّ الولايات المتحدة لم تخفّف من حضورها العسكري في المنطقة، بل عملت على إعادة تموضعه وتكثيفه، كاشفة أن شحنات السلاح المتجهة إلى إسرائيل لم تتوقف، بل ازدادت وتيرتها بشكل كبير خلال الايام الماضية، في موازاة تعزيزات للقواعد الأميركية المنتشرة في الخليج وشرق المتوسط.
هذا المسار لا ينسجم مع فرضية قرب انفراج سياسي، بل يعكس منطق إدارة نزاع مفتوح، تُستخدم فيه الدبلوماسية المترافقة مع التهديد باستمرار الحرب وهذا بحد ذاته يؤدي الى غياب الثقة بمسارات التفاوض.
في المقابل، تبدو إسرائيل في حالة استنفار دائم ورغبة دائمة بالحرب، على المستوى السياسي والعسكري رغم ان الجيش لا يرى استمرار الحال نفسه في لبنان مفيدا له بل على العكس تماما، وتستند إسرائيل إلى هذا الدعم الاميركي لإعادة ترميم قدراتها وتوسيع هامش تحركها، وسط مؤشرات على استعدادها لسيناريوهات تتجاوز حدود المواجهات المحدودة حاليا.
الخطاب الإسرائيلي، وإن تراجع في حدّته العلنية، لا يخفي رهانه على إبقاء الضغط العسكري قائماً، سواء لتحسين شروط التفاوض أو لفرض وقائع جديدة على الأرض في لبنان وغير لبنان.
يبقى اللافت في هذا السياق هو ما يتسرّب من تقارير داخل الولايات المتحدة نفسها حول ضغوط متزايدة على المخزون العسكري، وارتفاع غير مسبوق في وتيرة طلبات التصنيع، فالحرب الممتدة في أكثر من ساحة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، فرضت واقعاً جديداً على المجمع الصناعي العسكري، حيث لم تعد القدرة الإنتاجية تواكب دائماً حجم الاستهلاك.
هذا لا يعني بحسب مراقبين عجزاً استراتيجياً، لكنه يعكس انتقالاً إلى مرحلة إدارة الموارد ضمن أولويات تفرضها المصلحة الاميركية والوقائع، وهو ما يفسّر تسارع العقود العسكرية وخطط توسيع خطوط الإنتاج.
هذه المؤشرات مجتمعة تطرح سؤالاً أساسيا، هل نحن أمام مرحلة تمهيد لتهدئة مشروطة، أم أمام إعادة الحرب ولو بأشكال متنوعة؟
هنا ترى مصادر متابعة أن الطرح الإيراني، بقدر ما يفتح نافذة تفاوض، يأتي أيضاً ضمن معادلة ردع متبادلة، حيث تُستخدم المبادرات السياسية لشراء الوقت أو لتحسين المواقع قبل أي استحقاق ميداني محتمل، مشيرة عبر "النشرة" الى ان واشنطن تبحث عن مخارج ولكن دون ان تظهرها بموقع الخاسر، وهذا ما يصعب الحلول للطرفين لان اميركا تريد اتفاقا لا يراعي نتائج الحرب، وهذا بحد ذاته لا يمكن ان يستوي بعد حرب ضخمة كالموجودة حاليا.
في هذه المعادلة المعقّدة، تصبح احتمالات عودة الحرب مسألة مرتبطة بتفاصيل صغيرة في مسار التفاوض، حدود المصلحة والقدرة لدى الإسرائيلي، وحسابات الولايات المتحدة بين ساحات متعددة منها ما هو ابعد من الشرق الاوسط، فأي تعثّر جدي في المسار السياسي، أو أي احتكاك ميداني بحري قد يعيد خلط الأوراق بسرعة.