قد تكون الجبهة ال​لبنان​ية مختلفة عن غيرها من الجبهات. فهي اندلعت في جولتها الأولى "إسنادًا" للشعب الفلسطيني المحاصر في ​قطاع غزة​، وفي جولتها الثانية دفاعًا عن "الجمهورية الإسلامية" في إيران، لتجد نفسها في المرتين وحيدة في الميدان، بلا سند حقيقي. وقد تكون فريدة من نوعها أيضًا، إذ إن وقف إطلاق النار في لبنان لا يعني، كما يفترض المصطلح، وقفًا فعليًا للنار، بقدر ما يعني تخفيضًا لمنسوبها، أو وفق بعض القراءات، تحييدًا للعاصمة ​بيروت​ وربما ضاحيتها الجنوبية.

وإذا كانت الجبهة اللبنانية شهدت قبل الجولة القتالية الأخيرة أكثر من عام ونيف من ​الخروقات الإسرائيلية​ المتتالية ل​اتفاق وقف إطلاق النار​، بعدما شرّع الإسرائيليون لأنفسهم خرقه شبه اليومي تحت عنوان "حرية الحركة"، فإن ما تغيّر هذه المرة لا يبدو مرتبطًا بالموقف الإسرائيلي وحده، وإن خفّضت تل أبيب منسوب خروقاتها تحت الضغط الأميركي، وإنما بموقف ​حزب الله​ نفسه، الذي كان في المرحلة السابقة أكثر حرصًا على التموضع خلف الدولة، قبل أن يختار هذه المرة التموضع في مواجهتها بشكل أو بآخر.

تجلّى ذلك أولًا في العمليات التي نفّذها الحزب خلال مرحلة الهدنة، وإن حصرها في إطار "دفاعي" من بوابة الرد على الخروقات لا المبادرة إليه. ولكنّه تجلّى بشكل أكثر وضوحًا في الموقف السياسي الذي ظهر في بيان الأمين العام لحزب الله الشيخ ​نعيم قاسم​، والذي وُصف بعالي السقف، ليس فقط في مواجهة الخروقات الإسرائيلية، ولكن أيضًا في مواجهة من يراهن عليها، حتى بدا أقرب إلى إعلان مواجهة سياسية مفتوحة مع المسار الذي تسلكه السلطة.

هنا، لا تكمن أهمية كلام قاسم في نبرته التصعيدية فحسب، وإنما في توقيته الذي رسم حدودًا فاصلة بين "خيار المقاومة" و"مسار الدولة". فالحزب لم يكتف بالتحفظ التقني على بنود التفاوض، بل ذهب نحو سحب التفويض السياسي، معتبرًا أن مخرجات "​التفاوض المباشر​" وُلدت "ميتة" ولا تعنيه في الحسابات الميدانية أو السياسية. فما الذي يعنيه مثل هذا الكلام في السياق الذي جاء فيه؟ وهل يكون تنصّلًا مسبقًا لأي تفاهم يمكن أن تفضي إليه المفاوضات؟

بيان يتجاوز رفض التفاوض

في الشكل، ذهب بيان قاسم إلى أبعد من الاعتراض السياسي التقليدي. فقد استخدم تعابير قاسية في وصف أداء السلطة، واتهمها بتقديم "تنازل مجاني مذل"، وربط الحل بخمس نقاط أساسية: وقف العدوان برًا وبحرًا وجوًا، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، والإفراج عن الأسرى، وعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم، و​إعادة الإعمار​. وهذه الشروط تعني أن حزب الله لا يقبل أن يبدأ النقاش من ملف سلاحه أو ترتيبات الجنوب، أو ما يصطلح على تسميته بـ"اليوم التالي"، وإنما من للجذور.

ويقود هذا الفهم إلى مضمون أوسع. فالبيان أعاد تثبيت نظرية الحزب تجاه المرحلة، وتجاه الأولويات الكبرى، بدءًا من أصل الأزمة كما يراها: العدوان والاحتلال وغياب الضمانات. فالمقاومة، وفق القراءة التي قدمها قاسم، ليست سبب المشكلة، وإنما هي رد فعل على عدوان مستمر. والسلاح ليس ملفًا داخليًا قابلًا للمقايضة السياسية، وإنما أداة دفاعية مرتبطة بالاحتلال وبأهداف إسرائيل التي يعتبر الحزب أنها تتجاوز الضغط الأمني إلى محاولة فرض واقع جديد على لبنان.

لذلك، فإن رفض التخلي عن السلاح لم يرد في البيان كموقف تفصيلي، وإنما كعنوان وجودي واسع، ربطه قاسم بثنائية "التحرير والعزة" في مواجهة "الاحتلال والذلة". وإن دل هذا السقف على شيء، فعلى أن أي مسار تفاوضي لا يأخذ شروط حزب الله في الاعتبار سيولد مأزومًا من اللحظة الأولى. وبالتالي، فإنّ الحزب يقول عمليًا إن السلطة تستطيع أن تفاوض، لكنها لا تستطيع أن تلزمه بما يعتبره مخرجات غير شرعية.

وهنا تكمن خطورة اللحظة: الدولة تسعى إلى انتزاع مسار سياسي يوقف الحرب، فيما يرفض الحزب أن يتحول هذا المسار إلى غطاء لنزع أوراق قوته أو تقييد دوره الميداني. وبين المسارين، لا يدور الخلاف حول آلية التفاوض وحدها، مباشرة كانت أم غير مباشرة، وإنما حول المرجعية التي تحدد سقف التفاوض وحدود التنازل وما يمكن أن يُقبل به لبنانيًا.

إسرائيل تضغط وتوسّع رقعة النار

لا يمكن فصل بيان الشيخ قاسم عن وقائعه الميدانية. فإسرائيل، التي صعّدت غاراتها في الجنوب ووسّعت دائرة الاستهداف إلى ​البقاع​، تبدو كأنها تعمل على تثبيت معادلة مزدوجة: تفاوض تحت النار، وضغط عسكري مفتوح يمنحها قدرة أكبر على فرض شروطها. بهذا المعنى، لا تأتي الغارات كخرق تقني لوقف النار، وإنما كرسالة سياسية واضحة إلى الدولة وحزب الله معًا، مفادها أن أي تفاوض يجب أن يجري من داخل ميزان قوة ترسمه إسرائيل يوميًا بالصواريخ والطائرات.

هنا، تبرز أيضًا أهمية استهداف البقاع بعد موجة الغارات في الجنوب. فهذا الاستهداف لا يمكن قراءته كامتداد جغرافي فقط، إنما كرسالة بأن تل أبيب لا تريد حصر الضغط بمنطقة الحدود. هي تحاول القول إن يدها طويلة، وإن أي معادلة ردع جديدة يجب أن تشمل العمق اللبناني، لا القرى الأمامية وحدها، بعيدًا عن أي صيغة تكتفي بتحييد بعض المناطق وترك بقية لبنان تحت الضغط.

وهذا تحديدًا ما يجعل التفاوض المباشر أكثر حساسية. فإذا كان الهدف المعلن من التفاوض هو وقف الحرب، فإن استمرار الغارات يضع السلطة أمام سؤال محرج: هل تفاوض إسرائيل لوقف اعتداءاتها، أم أن إسرائيل تستخدم التفاوض لتثبيت حقها بالاعتداء؟ الفارق بين السؤالين كبير، لأن الأول يجعل التفاوض أداة حماية، فيما يحوّله الثاني إلى مظلة سياسية لأمر واقع ميداني شديد الخطورة.

من زاوية حزب الله، هذا هو جوهر الاعتراض. فالحزب يرى أن إسرائيل لا تعرض تسوية، وتسعى إلى انتزاع اعتراف لبناني بترتيبات أمنية تمنحها حرية حركة واسعة. ومن زاوية السلطة، فإن ترك الأمور للميدان وحده يحمل مخاطرة أكبر، لأن البلاد المنهكة اقتصاديًا واجتماعيًا لا تملك قدرة مفتوحة على تحمّل حرب طويلة. وبين هاتين القراءتين، يتسع الشق اللبناني الداخلي، وتصبح كل غارة وكل بيان وكل رد سياسي جزءًا من معركة أوسع على تفسير المصلحة الوطنية.

من يملك ترجمة الاتفاق على الأرض؟

هنا لا تعود المسألة مرتبطة فقط بموقف سياسي متشدّد أو ببيان عالي السقف، وإنما بسؤال عملي شديد الحساسية: ما قيمة أي تفاهم لا يملك جميع المعنيين القدرة أو الإرادة لترجمته على الأرض؟ فإذا كانت السلطة ترى في التفاوض مسارًا ضروريًا لوقف الحرب، فإن حزب الله يضع مسبقًا حدودًا لما يمكن أن يقبل به، ويقول بوضوح إن أي مخرجات لا تنطلق من وقف العدوان والانسحاب وعودة الأهالي والإعمار لن تكون ملزمة له.

هذا يعني أن الأزمة لا تتعلق بقناة التفاوض وحدها، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج موقف وطني جامع قبل الوصول إلى أي صيغة نهائية. فالتفاوض، في لحظة عادية، يحتاج إلى تفويض سياسي واضح. أما في لحظة الحرب، فيحتاج إلى تفويض وطني أوسع، وإلى حد أدنى من التفاهم بين من يملك الشرعية الدستورية ومن يملك القدرة الميدانية على التأثير في الوقائع.

من هذه الزاوية، يصبح بيان قاسم أشبه برسالة مزدوجة: إلى إسرائيل بأن الضغط العسكري لن ينتج استسلامًا، وإلى السلطة بأن أي مسار يتجاوز الحزب لن يتحول بالضرورة إلى واقع قابل للتنفيذ. وهذه الرسالة تضع الجميع أمام مأزق واحد: لا إسرائيل قادرة على فرض استقرار بالنار وحدها، ولا السلطة قادرة على تثبيت اتفاق لا يملك غطاءً داخليًا كافيًا، ولا حزب الله قادر على تجاهل كلفة استمرار المواجهة على بيئته والبلد ككل.

الأزمة إذًا ليست في النصوص وحدها، ولا في البيانات وحدها. إنها في قابلية أي تفاهم لأن يصبح واقعًا. فإذا ذهب لبنان الرسمي إلى اتفاق لا يراعي موازين الداخل، فقد يتحول الاتفاق إلى وثيقة سياسية عاجزة عن ضبط الميدان. وإذا بقي الحزب خارج أي صيغة تفاوضية، فقد يجد نفسه أمام كلفة مفتوحة لا يتحملها وحده، لأن النار الإسرائيلية لا تميّز في نتائجها بين بيئة وأخرى، ولا بين منطقة وأخرى.

أي مرحلة بعد البيان؟

عمليًا، فتح بيان قاسم الباب أمام ثلاثة احتمالات. الأول أن تبادر السلطة إلى احتواء التصعيد السياسي عبر إعادة تأطير المسار التفاوضي، وربما العودة إلى صيغة غير مباشرة أو تقديم ضمانات داخلية بأن أي اتفاق لن يمسّ الثوابت الوطنية ولن يتحول إلى أداة ضد حزب الله. هذا الخيار يخفف الاحتقان، لكنه يصطدم بالضغط الأميركي والإسرائيلي الساعي إلى نتائج سريعة.

الاحتمال الثاني أن يستمر المسار المباشر كما هو، مع تجاهل اعتراض حزب الله. عندها ستكون الدولة أمام اختبار أصعب: هل تستطيع توقيع أو قبول ترتيبات لا يلتزم بها طرف أساسي في المعادلة الميدانية؟ وإذا لم يكن الحزب معنيًا بما ينتج عن التفاوض، فما قيمة أي اتفاق على الأرض؟ هذا السؤال قد يكون الأشد خطورة في المرحلة المقبلة، لأنه يتجاوز السجال السياسي إلى قدرة الدولة على تنفيذ ما تتعهد به.

أما الاحتمال الثالث، فهو أن يذهب حزب الله إلى رد ميداني محسوب، يثبت عبره أن الاعتراض ليس سياسيًا فقط. وهذا الاحتمال لا يعني بالضرورة الانزلاق إلى حرب واسعة، لكنه يرفع مستوى المخاطر، لأن إسرائيل قد تستغل أي رد لتوسيع ضرباتها، ولتحميل الحزب مسؤولية إسقاط الهدنة، فيما تصبح الدولة عالقة بين نارين: نار إسرائيل من جهة، ونار الانقسام الداخلي من جهة أخرى.

وفي كل الاحتمالات، يبدو أن لبنان دخل مرحلة أكثر تعقيدًا من مرحلة الخروقات اليومية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بعدد الغارات أو بمكانها، وإنما بما إذا كانت هذه الغارات ستفرض قواعد جديدة على التفاوض، وبما إذا كان الداخل اللبناني قادرًا على إنتاج موقف يمنع إسرائيل من استثمار الانقسام لمراكمة مكاسب سياسية وأمنية.

معركة القرار قبل معركة الهدنة

في المحصلة، لم يعد لبنان أمام أزمة وقف إطلاق نار فقط. ما يجري اليوم هو معركة قرار. إسرائيل تحاول فرض وقائعها بالنار، والسلطة تحاول تثبيت مسار تفاوضي ينهي الحرب، وحزب الله يعلن أن أي تفاوض مباشر لا يراعي شروطه ولا ينطلق من وقف العدوان والانسحاب وعودة الأهالي والإعمار لا يلزمه سياسيًا ولا ميدانيًا.

لذلك، فإن الأيام المقبلة لن تختبر الهدنة وحدها، وإنما ستختبر قدرة النظام اللبناني على إدارة خلاف كبير من دون انهيار التوازن الداخلي. فإذا استطاعت السلطة أن تجمع اللبنانيين حول سقف تفاوضي واضح، وأن تمنع إسرائيل من استخدام النار لتحسين شروطها، فقد يكون هناك هامش لإعادة ضبط المسار. أما إذا استمر كل طرف في رسم شرعيته الخاصة، فإن البلد قد يدخل مرحلة كسر عظم سياسي، لا تقل خطورة عن الاشتباك المفتوح في الميدان.