أشار وزير العمل محمد حيدر، بمناسبة اليوم العالمي للسّلامة والصحة المهنيّة، إلى "أنّنا نقف في الثّامن والعشرين من نيسان، الّذي تُحييه منظمة العمل الدولية كيومٍ عالمي للسّلامة والصحة المهنيّة، أمام مسؤوليّتنا المشتركة في صون كرامة الإنسان وحماية صحة وسلامة العاملين. ويأتي شعار هذا العام: "لنضمن بيئة عمل نفسيّة- اجتماعيّة صحيّة"، ليؤكّد أنّ رفاه العامل النفسيّة، والعدالة، والاحترام، يجب أن تكون معايير راسخة لا مجرّد طموحات".
ولفت في بيان، إلى أنّ "هذا التوجّه يعبّر عن تحوّل جوهري في مفهوم السّلامة المهنيّة، حيث لم تعُد المخاطر مقتصرة على الجوانب الجسديّة، بل باتت تشمل أيضًا الضغوط النّفسيّة والاجتماعيّة الّتي تثقل كاهل العاملين، وتنعكس على أسرهم ومجتمعاتهم. غير أنّ هذا المفهوم، في ظلّ ما نشهده اليوم في لبنان، يتعرّض لاختبار قاسٍ، إذ لم تعد التحدّيات النّفسيّة- الاجتماعيّة ناتجة فقط عن بيئة العمل، بل أصبحت مرتبطة بواقع أوسع من العنف والتهديد وانعدام الأمان"، متسائلًا: "أين نحن من هذا الشّعار في واقعٍ يتجاوز الرّفاه النّفسي والعدالة والاحترام، ناهيك عن الجسدي، ليطال ليس مكان العمل والعامل فحسب بل المجتمع بأسره؟".
وأوضح حيدر أنّ "أعمال العدوان والعنف والحرب أدّت إلى تقويض أسس السّلامة، ليس فقط في مواقع العمل، بل في مجمل الحياة اليوميّة. ولم تعُد السّلامة قضيّةً تخصّ العامل وحده، بل أصبحت قضيّة مجتمع بأكمله. فقد أسفرت هذه الظّروف عن تهجير أكثر من مليون ومئتي إنسان من منازلهم، وسقوط أكثر من 2600 شهيد، من بينهم 193 طفلًا و291 امرأة، إضافةً إلى ما يزيد عن 7600 جريح، فضلًا عن تدمير المساكن وأماكن العمل على حدّ سواء"، مبيّنًا أنّ "هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الخسائر البشريّة، بل تكشف عمق الأثر النّفسي والاجتماعي الّذي يطال الأفراد والمجتمعات، ويقوّض أي إمكانيّة لبيئة عمل آمنة وصحيّة".
وشدّد على أنّ "في ظلّ هذه المعطيات، تتحوّل المخاطر النّفسيّة- الاجتماعيّة إلى واقع يومي ضاغط، حيث يعيش العامل تحت وطأة الخوف، وفقدان الاستقرار، وانعدام اليقين. وهنا يتداخل مفهوم السّلامة المهنيّة مع مفهوم الأمن الإنساني الشّامل، إذ لا يمكن تحقيق بيئة عمل صحيّة في مجتمع يفتقر إلى الأمان".
كما ركّز على أنّ "العامل هو جزء لا يتجزّأ من مجتمعه: هو أبٌ أو أم، ابنٌ أو ابنة، وركيزة في نسيج المجتمع. وعندما يتعرّض المجتمع للعنف وعدم الاستقرار، تنعكس الآثار مباشرةً على القوى العاملة، فتتفاقم الضغوط النّفسيّة، وتتراجع القدرة على الإنتاج، وتُهدَّد سبل العيش. وتبقى الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيّما النّساء والأطفال، الأكثر عرضة لهذه التداعيات، ما يفرض أولويّةً قصوى لحمايتهم".
وأضاف حيدر أنّ "في هذا اليوم، الّذي نُحيي فيه ذكرى ضحايا الحوادث والأمراض المهنيّة، نحيّي أيضًا كلّ من فقدوا حياتهم أو تعرّضوا للأذى نتيجة ظروف العدوان، سواء في مواقع العمل أو في سياق أوسع من التهديدات الّتي تطال أمن الإنسان. إنّ استذكارهم يشكّل دعوةً صادقةً للتحرّك العاجل".
وأكّد أنّ "السّلامة لا تتجزّأ، فهي تبدأ من مكان العمل، لكنّها لا تكتمل إلّا بأمان المجتمع ككل. فلا سلامة مهنيّة مستدامة دون أمن مجتمعي، ولا قوّة عاملة سليمة دون بيئة إنسانيّة آمنة"، معلنًا أنّ "انطلاقًا من مسؤوليّتنا في وزارة العمل اللبنانية، ندعو جميع الجهات المعنيّة -من مؤسّسات رسميّة، وأصحاب عمل، وممثّلين عن العمّال، والمجتمع الدّولي- إلى تجديد الالتزام، ليس فقط بتحسين شروط العمل، بل بحماية الحق الأساسي لكلّ إنسان في العيش والعمل بكرامة وأمان. فحماية الإنسان اليوم تعني، قبل كلّ شيء، حماية المجتمع".