بدا الموقف الذي اطلقه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالأمس، عالي السقف تجاه حزب الله ولو انه لم يسمّه بالاسم، واستغرب العديد من المتابعين تصاعد حدة الكلام المتبادل بينه وبين الحزب، في وقت تردد ان مستشار وزير الخارجية السعودية الأمير يزيد بن فرحان عمل على "تنفيس" الاحتقان الداخلي خلال زيارته الأخيرة الى لبنان ولقائه المسؤولين اللبنانيين، كما ان الكلام في الكواليس السياسية أوحى بما لا يقبل الشك، حرص السعودية على اشراك الطائفة الشيعية، وتحديداً رئيس مجلس النواب نبيه بري في "طبخة" المفاوضات والحلول المنتظرة، وهذا نابع من الاتصالات القائمة والنشطة بين الرياض وطهران في الآونة الأخيرة، والتي يرتبط قسم منها بلبنان للأسباب المعروفة.
هذا الموقف الرئاسي قابله موقف ثابت من الحزب لجهة عدم التخلي عن السلاح، وما كان سابقاً تفاهم وتفهم بين الرئاسة والحزب، تحوّل في الأسابيع الأخيرة الى توتر وعدم تواصل. من هنا، كان الحديث عن إعادة احياء "الترويكا"، وهي ممارسة لاقت انتقادات واسعة سابقاً لانها تحصر المسائل بثلاثة اشخاص فقط، فيما المطلوب، خصوصاً في هذا الظرف، اشراك الجميع (عبر مجلس الوزراء او مجلس النواب او حتى تنظيم استفتاء) ولكن لان الوضع الراهن لم يسمح حتى باجراء انتخابات نيابية، تبقى العودة الى "الترويكا" ابسط الحلول واسرعها. وبالتالي، بات من الممكن القول انه قبل حصول او متابعة أي مفاوضات بين لبنان واي بلد آخر، يجب طرح المفاوضات بين اركان الدولة في بيروت اولاً، وهو امر قد يبدو انه يقوّض من صلاحيات رئيس الجمهورية ويخفف من امساكه بملف المفاوضات، ولكنه فعلياً قد يشكّل مخرجاً له، بمعنى ان كل ما سيحصل لاحقاً سيحظى بغطاء جامع، فلا يتعرض الرئيس عون وحده للانتقاد او التهجم (في حال لم يسفر المسار عن نتائج ترضي الجميع او البعض)، كما انه في المقابل تكون الإشادة به وببري وسلام (في حال أتت النتائج إيجابية ومرضية).
مخرج "الترويكا" يغلب حالياً على كل الاقتراحات الأخرى لجهة طاولة حوار واستراتيجية دفاعية وغيرها من الأفكار التي طرحت على مدى سنوات وبقيت عناوين لا قدرة لاحد على تنفيذها او اجرائها، ويسمح لكل اللاعبين الخارجيين في التمثّل ايضاً على أي طاولة مفاوضات خارجية، وطروحات داخلية. هذا الامر يعني عملياً، ومن دون مواربة، انتهاء مقولة "لبنان يفاوض عن نفسه" التي لم تكن واقعية تماماً. هذا لا يعني انه حين كان عون ممسكاً وحده بالملف كان لبنان يفاوض، ومع دخول بري وسلام على الخط سيصبح الملف خارج الحدود اللبنانية، لانه حتى في خضم امساك رئيس الجمهورية بالملف، بدا واضحاً ان أي تنفيذ لتفاهمات او تسويات او اتفاقات...( او أي كلمة آخرى)، يبقى مرهوناً بموافقة اطراف داخلية وخارجية، وهذه حقيقة لا يمكن انكارها، واعلنها عون نفسه في مجلس الوزراء الأخير حين قال انه كان يضع رئيسي مجلسي النواب والوزراء في أجواء كل ما يحصل من اتصالات مع واشنطن واللقاءات هناك.
اليوم، تبدو المفاوضات مع اسرائيل اقرب الى لعبة "الدومينو"، فهي والحزب لا يلتزمان بوقف اطلاق النار ويتبادلان الاتهامات بالتسبب بخرقه (علماً انه حتى لو ان الحزب بدأ بالحرب، الا ان إسرائيل حالياً تخرق الاتفاق من دون تردد او رادع)، وعون محاصر بين نيران إسرائيل على لبنان وبين الضغط الأميركي للتواصل المباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتقريب التوصل الى اتفاق يضعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في "خزانة جوائزه" التي انشأها منذ توليه ولايته الرئاسية الثانية، وبري عالق بين الحرص على مصالح الطائفة الشيعية ووحدتها وبين حضوره الرسمي، وسلام يجاهد لتثبيت نفسه في المعادلة، والخوف هو وقوع اول حجر دومينو لانه سيؤدي الى وقوع بقية الأحجار...