يبدو المشهد اللبناني–الإسرائيلي اليوم أقرب إلى وقف موقّت للنار منه إلى تسوية سياسية أو أمنية. فالهدنة التي دخلت حيّز التنفيذ في 16 الجاري، ومُدّدت لثلاثة أسابيع بعد اجتماع في البيت الأبيض يوم 23 نيسان، جاءت تحت رعاية أميركية مباشرة، لكنها لم تُقفل أبواب الاشتباك بل جمّدتها فقط. وبعد أيام قليلة، عادت الاعتداءات الإسرائيلية لتُسقط شهداء وجرحى في الجنوب، فيما بقيت الاتهامات المتبادلة بين إسرائيل و«حزب الله» على حالها، بما يؤكد أن الاتفاق لم ينجح بعد في إنتاج استقرار فعلي على الأرض.
الضبط الأميركي
في هذا السياق يبدو أن الدور الأميركي في هذه المرحلة يتجاوز الوساطة التقليدية. فواشنطن لا تدير فقط وقف النار بين لبنان وإسرائيل، بل تحاول هندسة الإيقاع الأمني في أكثر من ساحة في وقت واحد: منع الانفجار الكامل في الجنوب اللبناني، وتخفيف الضغط على إسرائيل، وإبقاء باب التفاوض مع إيران مفتوحًا على شروطها. ومن هنا تبدو الهدنة اللبنانية جزءًا من مقاربة أميركية أوسع لا تفصل بين الحدود الجنوبيّة للبنان وبين الصراع الإقليمي الأكبر، بل تعتبرها إحدى نقاطه الأكثر قابليّة للاشتعال والاحتواء معًا.
الجنوب المضطرب
على الأرض، ما زال الجنوب اللبناني يعيش على إيقاع هدنة مثقوبة. فإسرائيل زعمت إن الضربات التي نفذتها استهدفت عناصر ووسائل قتالية تابعة لـ«حزب الله»، وأعلنت أن الغارات جاءت ردًا على ما تعتبره خروقات مستمرة. وفي المقابل، أعلن «حزب الله» أنه لن يوقف عملياته ما دامت إسرائيل تواصل انتهاكاتها. هذا التبادل ليس تفصيلًا تكتيكيًا، بل علامة على أن كل طرف يتعامل مع الهدنة كمساحة اختبار، لا كإطار ملزم نهائيًا. ومع استمرار التهديدات والتحذيرات الإسرائيلية من العودة إلى بعض قرى جنوب الليطاني، يصبح الكلام عن “استقرار” في لبنان سابقًا لأوانه.
القانون الغائب
الأخطر في المشهد ليس فقط استمرار الاعتداءات، بل انزلاق الصراع إلى منطقة رمادية بين القانون والقوة. فالأمم المتحدة قالت إن الضربات الإسرائيلية في لبنان، وهجمات «حزب الله» على إسرائيل، قد ترقى إلى انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي. هذا النوع من التوصيف لا يغيّر الوقائع العسكرية فورًا، لكنه يكشف أن ما يجري لم يعد مجرد “تصعيد على الحدود”، بل نزاع يتآكل فيه الغطاء القانوني تدريجيًا، في وقت تبدو فيه أدوات الردع التقليديّة عاجزة عن فرض قواعد ثابتة أو خطوط حمراء مستقرة.
طهران وهرمز
الى ذلك، فإنّ ربط لبنان بالحرب الدائرة ضد إيران ليس مجازًا سياسيًا، بل قراءة لهيكل الصراع نفسه. فالمواجهة بين واشنطن وطهران دخلت مرحلة هدنة شديدة الهشاشة، بعد ضربة أميركية–إسرائيلية واشتباك مفتوح على مستوى الملاحة والطاقة والردع. وفي 26 نيسان، قال الرئيس الاميركي دونالد ترامب إن إيران يمكنها الاتصال إذا أرادت التفاوض، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنها لن تحصل على سلاح نووي، بينما كانت الجهود الدبلوماسية تتراجع بعد إلغاء زيارة المبعوثين الأميركيين إلى إسلام آباد. وفي اليوم نفسه تقريبًا، أعلنت طهران إعادة فتح مضيق هرمز أمام السفن التجارية، لكن واشنطن أبقت على حصارها البحري للسفن والموانئ الإيرانية، ما جعل البحر نفسه جزءًا من المفاوضات لا مجرد طريق للتجارة.
إسلام آباد المتعثرة
هذا وقد تحوّلت المباحثات التي كان يُفترض أن تعقد في باكستان بدورها إلى مؤشر إضافي على هشاشة المسار الدبلوماسي. فالتواصل بين الفريقين لم ينهَر نهائيًا، لكنه تعثر قبل أن يثبت أي اختراق حقيقي. وتشير الوقائع الأخيرة إلى أن وزير الخارجيّة الإيراني عباس عراقجي تنقل بين باكستان وعُمان ثم اتجه إلى روسيا، فيما سحب ترامب وفده من زيارة إسلام آباد في لحظة بدا فيها أن الوساطة لم تعد قادرة على تجاوز شروط البداية نفسها: طهران تريد رفع الحصار أولًا، وواشنطن تريد اتفاقًا يعالج الملف النووي أولًا. هذه ليست مفاوضات عن التفاصيل، بل صراع على ترتيب الأولويات، ولذلك تتعطل سريعًا.
ارتدادات واسعة
هنا تحديدًا يصبح لبنان أكثر من ساحة حدوديّة. فكل اهتزاز في التفاهم الأميركي–الإيراني ينعكس مباشرة على الجنوب اللبناني، وعلى سوريا والعراق والخليج، لأنّ التوتر على هرمز يرفع كلفة الطاقة والتأمين والشحن، ويضع دول الجوار أمام معادلة معقّدة: كيف تحافظ على الاستقرار المحلّي بينما الإقليم كله يعيش على حافة اختبار أمني جديد؟ لهذا السبب، لا يمكن قراءة وقف النار اللبناني بمعزل عن الحرب الأوسع، ولا عن الصراع البحري في الخليج، ولا عن السعي الأميركي إلى منع تحوّل كل جبهة إلى مرآة للجبهة الأخرى. لبنان هنا ليس الملفّ الصغير، بل الحلقة التي قد تكشف مدى قدرة واشنطن على ضبط أكثر من نار في الوقت نفسه.
في المحصلة، لبنان يعيش اليوم تحت سقف هدنة لا تملك ضمانات الصمود، فيما المنطقة من حوله لا تزال تتحرك على إيقاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، وحصار البحر، وتعثر التفاوض، واشتباك المصالح بين القوى الكبرى. لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الجنوب سيهدأ، بل إلى أيّ حدّ تستطيع واشنطن أن تمسك بخيطين متوازيين: خيط منع الانفجار في لبنان، وخيط إدارة الصدام مع طهران من دون أن ينقطع أحدهما فيسحب معه الآخر؟!. هذا هو جوهر المرحلة، وهذه هي هشاشتها.