أشار الأمين العام لجمعية مصارف لبنان فادي خلف في افتتاحية التقرير الشهري للجمعية الى أنه "في الأزمات يتضاعف ضغط الشارع والإعلام والسياسة، وتتزايد محاولات تسويق حلول سريعة تحت عنوان "الاستقرار". غير أن التجربة اللبنانية، وفق ما أشار، أثبتت أن أي استقرار يُموَّل من حقوق المودعين يبقى استقراراً مؤقتاً، يشتري وقتاً قصيراً ويُراكم أزمة أطول. ومن هذا المنطلق، شدد على ضرورة تثبيت قاعدة واضحة مفادها أن الاستقرار لا يُشترى باستنزاف الاحتياطي بالعملات الأجنبية العائد لحقوق المودعين والمصارف".
وفي هذا السياق، أوضح خلف أن "القضية المطروحة ليست سجالاً ولا تبادلاً للاتهامات، بل هي مسألة حقوق، إذ إن للدولة حساباتها وموجباتها ضمن مؤسساتها، ولمصرف لبنان مطالباته تجاه الدولة، وهو أمر يُعالج بين الطرفين. في المقابل، اعتبر أن أموال المصارف، أي أموال المودعين لدى مصرف لبنان، تبقى حقوقاً خاصة لا يجوز تحويلها إلى "هامش قابل للاستهلاك" تحت ضغط الحرب أو أي ظرف استثنائي".
كما توقف عند ثلاث حقائق أساسية :"أولاها أن الاحتياطي ليس صندوقاً عاماً مفتوحاً يُستعمل عند الحاجة، بل هو آخر هامش متبقٍ لحقوق المودعين، وأي مساس به يضرب إمكانية استرداد الودائع اليوم وغداً. أما الحقيقة الثانية، فتكمن في أن الظروف الاستثنائية، رغم رفعها مستوى المخاطر، لا تُسقط الحقوق ولا تُحوّلها إلى أموال قابلة للاستهلاك، ما يستوجب حماية ما تبقى بدل إعادة استنزافه. في حين أن الحقيقة الثالثة تتمثل في أن الاستنزاف لا يصنع استقراراً، إذ قد تنجح بعض التدابير مرحلياً في الحد من التقلّبات، لكنها تحمل في طياتها خطراً يتمثل في تبديد ما تبقى من حقوق المودعين، وهو ما لا يشكل استقراراً بقدر ما هو تأجيل لأزمة إضافية مع مضاعفة كلفتها".
ومن جهة أخرى، شدد خلف على ضرورة تثبيت أمرين ملازمين لهذه الحقائق، أولهما استبعاد استعمال ما تبقى من الاحتياطي العائد عملياً لحقوق المودعين ضمن أي سياسة نقدية أو مالية، معتبراً أن ذلك ليس خياراً تقنياً بل شرط بقاء اجتماعي، نظراً لارتباطه بالأموال التي تؤمّن الحد الأدنى من الاحتياجات الشهرية لمئات آلاف العائلات. أما الأمر الثاني، فيتعلق بضرورة إظهار صورة مفصلة عن مكونات الاحتياطي، تشمل ما هو المتاح فعلياً، وما هو المخصص للمصارف وحقوق المودعين، وما يعود لحسابات الدولة، مشدداً على أن الشفافية في هذا الإطار تشكل ضمانة أساسية لمنع الالتباس والتوظيف.
وفي ما يتعلق بالمخاطر الراهنة، حذر من أن الخطر يبدأ عندما يتحول الاحتياطي إلى خيار سهل لتمويل الطوارئ في زمن الحرب، لأن الاستقرار الاقتصادي والنقدي، بحسب تعبيره، لا يُبنى على حرق أموال المودعين. وأضاف أن المعايير الدولية تؤكد أن استخدام احتياطي المصارف المركزية لفترات طويلة يؤدي حتماً إلى استهلاك مقدراتها وإضعاف قدرتها على الصمود.
أما في ما يخص البدائل، فاعتبر خلف أن حماية الاستقرار الاقتصادي والنقدي لا تتحقق من خلال حلول ظرفية ممولة من الاحتياطي، بل تبدأ من تأمين الاستقرار السياسي والأمني، موضحاً أن الاقتصاد لا يستعيد عافيته في بيئة يتراجع فيها الأمان، كما أن الأسواق لا تنتظم في ظل تقلب التوقعات المرتبط بالتطورات الميدانية. وفي ظل غياب هذا الاستقرار، تتعطل القرارات الإصلاحية وتتراجع الثقة، لتتحول الإجراءات النقدية إلى مجرد إدارة مؤقتة للأزمة لا معالجة لها. ومن هنا، رأى أن حماية الاحتياطي تمثل قراراً سيادياً عقلانياً يربط بين السياسة النقدية والاستقرار العام، ويهدف إلى منع الاستنزاف وحماية ما تبقى من حقوق المودعين إلى حين توافر شروط التعافي الفعلي.
وختم خلف بالتأكيد على أن المسألة ليست خياراً بين الاستقرار وحقوق المودعين، لأن الاستقرار الذي يُبنى على أموال المودعين لا يشكل استقراراً فعلياً، بل مشروعاً لانفجار اقتصادي واجتماعي مؤجل. كما حذر من الخلط بين ودائع الدولة في مصرف لبنان واحتياطات المصارف، مشدداً على أن اللجوء إلى احتياطي المصارف لشراء الاستقرار هو مسار مجرب ومعروف نتائجه.























































