لبنان​ على موعد مع حدث مهمّ في أيار وحزيران المقبلَين، ألا وهو التقييم نصف السنوي للتصنيف الائتماني من قِبَل ​مجموعة العمل المالي​، وهنا ستكون البلاد أمام ثلاثة خيارات أساسية: إما أن يخرج من ​اللائحة الرمادية​ التي هو فيها اليوم، أو يُبقَى عليها، أو يُوضَع على ​اللائحة السوداء​ وهو الحل الأسوأ ووسيلة ضغط أساسية عليه.

منذ إعلان التخلف عن سداد الديون عام 2020، وبعد الأزمة في حينها، لم يتمكن المسؤولون من تنفيذ إصلاحات هيكليّة فعلية، كإعادة هيكلة القطاع المصرفي أو التوصل إلى اتفاق مع ​صندوق النقد الدولي​، وهذا الواقع أبقى لبنان خارج الأسواق المالية العالمية معتمداً على اقتصاد النقد الفعلي، وبالتالي أصبح في حالة شلل مالي شبه كامل.

في تشرين الأول من العام 2024 أدرجت مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية نتيجة عدم قيامه بخطوات حقيقية لمكافحة ​تبييض الأموال​ وتمويل الإرهاب، ولكن ورغم ذلك بقي التعاون بينه والمجتمع الدولي. واليوم وبحسب مصادر مطّلعة فإن "الخوف كبير من إبقاء البلد على اللائحة الرمادية أو وضعه على اللائحة السوداء"، شارحةً أنه "وفي حال بقي الوضع على ما هو عليه اليوم فإن ذلك سيفرض قيوداً إضافية على ​التحويلات المالية​ وتراجعاً في الاستثمارات والأهم مزيداً من الضغط على القطاع المصرفي وتحويلات المغتربين إلى لبنان ستصبح أشد صعوبة".

"سيكون لهذا الخيار تأثير كبير على وضع ​الدولار​، خصوصاً وأننا في حالة حرب". وهنا تشير المصادر إلى أن "الإبقاء على اللائحة الرمادية سيؤدي إلى الضغط على الدولار بحيث سينخفض دخوله، لا سيّما أن البنوك العالمية ستتردد في تحويل الأموال، كما أن التحويلات ستصبح أصعب. من ناحية أخرى سيزداد الطلب على العملة الخضراء، إذ إن الناس ستفقد الثقة بالليرة والشركات ستحتاج إلى دولار للاستيراد، مما سيدفع اللبنانيين إلى التهافت على الدولار خوفاً، ومع ارتفاع الطلب سيكون العرض أقلّ، مما سيشكّل عامل ضغط حتماً".

أما في حال حصول السيناريو الأسوأ، ألا وهو وضع لبنان على اللائحة السوداء، فيشير رئيس المجلس المالي والاقتصادي للدراسات الدكتور علي كمّون إلى أننا "سنكون في عزلة مالية شبه كاملة والتحويلات ستصبح صعبة والضغط على الاقتصاد سيكون كبيراً، وهذا سيعني تراجعاً في الاستثمارات الأجنبية وصعوبة في استيراد السلع إضافةً إلى زيادة في الاعتماد على السوق النقدي، مع وجود تشدد عالمي في التحويلات المالية على البلد وتدهور للثقة المصرفية العالميّة، وهذا سيشكّل عامل ضغط على الليرة وتدهور بسعر الصرف".

"الفرق شاسع بين أن يكون لبنان على اللائحة الرمادية وأن يُوضَع على اللائحة السوداء". في هذا السياق يشير الدكتور علي كمّون إلى أن "البلد اليوم تحت المراقبة، ولكن لا يزال العالم المالي يتعامل معه، أما في حال وُضع على اللائحة السوداء فيكون الخطر مرتفعاً وسيكون التعامل معه محدوداً، لذلك يجب أن يُفعّل إصلاح القوانين المالية المصرفية، وضبط التحويلات المشبوهة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، والتعامل مع الجهات الدولية بشفافية".

لا شك في أن المعادلة بسيطة: كلما صعب دخول الدولار إلى لبنان ارتفع الطلب عليه وبالتالي ارتفع سعره، ووضع لبنان على اللائحة الرمادية أبطأ دخول العملة الخضراء إلى البلاد، ولكن اللائحة السوداء ستمنع دخوله وهذا ما سيؤدي إلى قفزة في سعره .

في المحصّلة، يقف لبنان أمام استحقاق مفصلي لا يقتصر تأثيره على صورته الماليّة دوليًا، بل يمتد مباشرة إلى معيشة المواطنين واستقرار العملة والاقتصاد ككل. فإما أن تنجح السلطات في اتخاذ خطوات إصلاحيّة جدّية تعيد الثقة تدريجيًا وتُبقي البلاد ضمن دائرة التعامل الدولي، وإما أن يؤدّي استمرار المراوحة إلى مزيد من العزلة والتدهور المالي. وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الأهم: هل يملك البلد الإرادة السياسية والقدرة التنفيذية لتفادي الأسوأ قبل فوات الأوان؟.