قد يكون الانقسام الداخلي أخطر ما يواجه ​لبنان​، في المرحلة الراهنة، خصوصاً أن البعض يذهب بعيداً في هذا المسار، متجاهلاً كل المعطيات الموجودة على أرض الواقع، من منطلق رهانات مسبقة على نتائج التحولات القائمة، على المستويين المحلي والإقليمي، ما يفرض القيام بمراجعات حتمية قبل فوات الأوان.

هنا، يصبح من الطبيعي طرح السؤال عن كيفية مواجهة التحديات، التي يدركها الجميع دون استثناء، في ظل واقع داخلي منقسم بين منطقين، لا سيما أن ليس هناك من يبحث عن إمكانية الجمع بينهما بطريقة أو بأخرى، بدل العمل على تعزيز حالة التشرذم أكثر، فالأساس يبقى أنه لا بدّ من وقف هذا المسار قبل أي أمر آخر.

في هذا السياق، تشدد ​مصادر نيابية​ مطلعة، عبر "النشرة"، على أن ما يحصل هو حالة من الجنون، لا يمكن معها الوصول إلى أي حل، بل ستقود إلى المزيد من ​التداعيات الكارثية​ في حال استمرارها، نظراً إلى أنها ستضع لبنان، في نهاية المطاف، في موقع المتلقي لما سيتقرر في الخارج، بدل أن تكون له القدرة على المبادرة، أو على الأقل الاحتفاظ بحق "الفيتو"، في حال وجد ما يتعارض مع مصالحه.

بالنسبة إلى هذه المصادر، الواقع الحالي لا يخدم المنطقين السائدين في البلاد، أي السلطة و"​حزب الله​"، بل على العكس يضعفهما معاً، في حين أن الأخطر يبقى أن ​إسرائيل​ تسعى إلى الاستفادة من ذلك إلى الحدود القصوى، بدليل عملها على تكريس هذا الانقسام، عبر الترويج لمعادلة أن معركتها مع الحزب فقط لا مع الدولة اللبنانية، خصوصاً أنها نجحت في جر ​الولايات المتحدة​ إلى تأييد ما تقوم به على هذا الصعيد.

في هذا الإطار، قد تكون المفارقة اللافتة تكمن في أن ليس هناك من مرجعية قادرة على وضع حد لهذا المسار، بل إن الجميع ينخرط في المواجهة، باستثناء بعض القوى التي لا تزال تراهن على إمكانية تفادي ذلك، من خلال البحث عن حلول تؤمن الحد الأدنى من التوافق حولها، إلا أن ذلك لا يمكن أن ينجح دون وجود رافعة كبرى، قادرة على التأثير في المنطقين المنقسمين.

ما تقدم، يدفع مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، إلى التشديد على ضرورة ذهاب كل فريق إلى مراجعة ذاتية، لفهم ما هو ممكن وما هو مستحيل من فرضيات، خصوصاً أن الوقت لا يصب في مصلحة لبنان، ليس فقط بسبب استمرار العدوان الإسرائيلي وما يفرضه من أمر واقع في القرى والبلدات الجنوبية، بل أيضاً نتيجة ما قد تتعرض له البلاد من ضغوط إضافية، على المستوى العسكري أو الدبلوماسي.

وتشير هذه المصادر إلى أن هناك قناعة، لدى مجموعة واسعة من الأفرقاء، بأن ​التوتر الحالي​ لن يقود إلى صدام داخلي، على عكس ما يروج له الكثيرون، إلا أنها تلفت إلى أن ذلك لا يعني انعدام الخطر الحقيقي في هذا المجال، لا سيما إذا لم يُصار إلى العمل على لملمة الأوضاع المحلية، نظراً إلى أن الانقسام يتعزز يوماً بعد آخر، بينما لا يبدو أن هناك أفقاً لمعالجة المشكلة الأساسية أو وضع حد لها، أي الممارسات التي تقوم بها إسرائيل.

في المحصلة، تؤكد المصادر نفسها أن البداية يجب أن تكون من نقطة مفصلية، يقتنع بها المنطقان بعدم القدرة على الاستمرار على المنوال نفسه، فلا "حزب الله" يمكن له التعامل بناء على القواعد السابقة، بعد التحولات التي برزت من ​حرب إسناد غزة​ حتى اليوم، ولا السلطة يمكن لها التغاضي عن وجود الحزب الفعلي، أو تجاهل الهواجس التي يعبر عنها، خصوصاً أن إسرائيل، من الناحية العملية، لا تتجاوب مع ما تطرحه من مطالب.