لا يمكن النظر إلى البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت، أول من أمس، على أساس أنه تفصيل عابر، بل هو رسالة بالغة الأهمية، تُعبر عن حجم الضغوط التي من الممكن أن تبادر إليها الولايات المتحدة، في حال لم يتجاوب لبنان الرسمي مع المسار المحدد من قبلها، خصوصاً لناحية تأكيدها أن وقت التردد انتهى، ما يعني أن المطلوب الذهاب إلى خطوات عملية.
النقطة الأهم، في هذا البيان، تكمن في الظروف المحيطة به، التي تبدأ من التهديدات الإسرائيلية بالعودة إلى مسار الحرب الشاملة، في الوقت الذي تستمر فيه خروقات الهدنة في القرى والبلدات الجنوبية، ولا تنتهي عند ارتفاع وتيرة الانقسام الداخلي حول ما يجب القيام به، للوصول إلى اتفاق كامل لوقف إطلاق النار مع تل أبيب.
في هذا السياق، تشير مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، إلى أهمية قراءة البيان بناء على المسار العام، الذي تعمد فيه تل أبيب إلى تكثيف التهديدات بالعودة إلى الهجمات الواسعة في بيروت، في حين تحاول واشنطن الإيحاء بأنها هي من يمنعها من تكثيف الضربات، من منطلق أن الرئيس الاميركي دونالد ترامب يفرض معادلة الضربات "المحدودة" و"المدروسة".
بالنسبة إلى هذه المصادر، هذا الواقع هو الذي يعطي البيان القيمة الفعلية، لا سيما أن التحذيرات السابقة أشارت إلى ما يمكن أن تقدم عليه الولايات المتحدة من ضغوط، لدفع الجانب اللبناني الرسمي إلى المزيد من الخطوات على مستوى العلاقة مع إسرائيل، في ظل محاولات واضحة لاستغلال حالة الانقسام الداخلي، لا سيما أن ترامب يبحث بكل قوة عن كيفية تحقيق إنجاز في هذه الساحة، في ظل التعثر على مستوى المفاوضات مع طهران.
في هذا الإطار، بات من الواضح أن هناك محاولات أميركية لتقديم إغراءات إلى لبنان، تقوم على أساس أن مسارها من شأنه أن يمنح لبنان، في حال عقد اللقاء بين الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، فرصة الحصول على ضمانات ملموسة حول السيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وتأمين الحدود، والدعم الإنساني وإعادة الإعمار، وإعادة ترسيخ سلطة الدولة على كامل أراضيها.
هنا، تعود المصادر السياسية المتابعة إلى معضلة التوازنات الداخلية، للحديث عن "كماشة" يجد لبنان نفسه فيها، حيث ضغوط الولايات المتحدة، التي ينبغي له التعامل معها بحذر، بالإضافة إلى لعبة التوازنات المحلية، التي من الممكن أن تقود البلاد إلى صدام كبير، في ظل المواقف المتشددة التي يبادر إليها "حزب الله" في هذا المجال، في ظل المساعي القائمة لخلق تكتل سياسي معارض للمفاوضات المباشرة، مقابل الدعم الذي تحظى به تلك المفاوضات من تكتل آخر.
من وجهة نظر هذه المصادر، الواقع الحالي يشبه إلى حد كبير ما كان قائماً في العام 2005، بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، لكن مع ظروف أصعب من الناحية العملية، تكمن في حالة الحرب القائمة مع إسرائيل، بالإضافة إلى غياب المرجعية، المحلية أو الخارجية، القادرة على الحد من التوترات، أو على الأقل التخفيف من الضغوط الأميركية، التي قد تتصاعد أكثر في المرحلة المقبلة.
في المحصلة، ترى المصادر نفسها أن لبنان يجد نفسه، في الوقت الراهن، في قلب معضلة صعبة، بين الانخراط أكثر في المسار الأميركي، بما يعنيه ذلك من احتمال رفع وتيرة التوترات الداخلية، أو التراجع، الذي من المرجح أن يغضب واشنطن، مع ما يحمله ذلك من خطر أن تمنح تل أبيب الضوء الأخضر لتوسيع دائرة الاعتداءات التي تقوم بها، ما يفرض البحث عن مظلة قادرة على تأمين الحد الأدنى من الحماية، بالرغم من أن الظروف الراهنة توحي بصعوبة توفر ذلك.