اكد نائب رئيس مجلس الوزراء السابق النائب غسان حاصباني خلال مؤتمر "عمال لبنان: صمود بين الحرب والانهيار" الذي نظمته مصلحة النقابات في "القوات اللبنانية" في معراب، أن ما يمرّ به لبنان اليوم ليس مجرد تباطؤ اقتصادي عادي، بل هو ضغط هيكلي عميق يطال الشركات وسوق العمل معاً، مضيفاً: "الأرقام واضحة: 77% من الشركات تسجّل تراجعاً شهرياً في الإيرادات، و74% تراجعاً سنوياً. فقط 36% من الشركات ما زالت مستقرة، ما يعني أن الغالبية الساحقة من العاملين متأثرون بشكل مباشر".
واعتبر حاصباني أن "فقدان شريحة واسعة من اللبنانيين لأموالهم في المصارف ساهم في تآكل الثقة والقدرة الشرائية، وعمّق الأزمة الاقتصادية بشكل غير مسبوق. وهذا ينعكس مباشرة على سوق العمل، حيث نرى 30% من الشركات قد خفّضت ساعات العمل، و26% جمّدت التوظيف، إضافة إلى حالات صرف وخفض رواتب. وفي المقابل، فقط 24% من الشركات تقدّم أي شكل من أشكال الدعم لموظفيها، ما يترك فجوة كبيرة في الحماية".
وشدد حاصباني على انه "يصبح واضحاً أن دور النقابات والمجتمعات المهنية ليس رفاهية، بل هو دور أساسي"، مفنّداً:
أولاً، على مستوى جودة الكفاءات، نعلم أنه في أوقات الأزمات تميل الشركات إلى خفض الكلفة، ما قد يؤدي إلى التراجع في المعايير المهنية. هنا تلعب النقابات دور حارس الجودة، من خلال الترخيص والرقابة والتدريب المستمر. الحفاظ على هذه المعايير اليوم هو استثمار مباشر في مستقبل رأس المال البشري اللبناني وفي سمعته".
ولفت الى أنه "على مستوى القطاعات، لا يقتصر دور النقابات على الأفراد، بل يمتد إلى تنظيم القطاعات خلال الأزمات. فهي تساهم في إعادة تأهيل الكفاءات، وإعادة توزيعها، ومواكبة التحولات مثل العمل عن بُعد، الذي بدأت 13% من الشركات باعتماده أو توسيعه. كما تساعد في الحد من الفوضى والاقتصاد غير المنظم. بمعنى آخر، هي تنظّم الصدمة بدل أن تتركها تفتّت القطاعات".
تابع: "لكن إذا أردنا الحديث بواقعية، لا يمكن تجاهل ضعف العمل النقابي في لبنان. هذا الضعف ناتج عن تسييس النقابات والتدخلات السياسية، إضافة إلى فقدان الثقة وغياب تمثيل فئات جديدة من العاملين، في ظل قوانين لم تعد تعكس واقع سوق العمل اليوم".
وشدد على انه بناء على ذلك تصبح إعادة بناء حركة نقابية فعّالة أولوية، مضيفاً: "هذا يبدأ باستعادة الاستقلالية، وتأمين تمثيل حقيقي للمهنيين. كما يتطلب توسيع دور النقابات ليشمل الحماية الاجتماعية، ودعم الانتقال المهني، وربط الكفاءات اللبنانية بفرص عالمية. كذلك، من الضروري إشراك العاملين المستقلين والعاملين خارج الأطر التقليدية، لأنهم أصبحوا جزءاً أساسياً من سوق العمل. ولا يمكن استعادة الثقة من دون تعزيز الشفافية والمساءلة".
تابع: "في هذا الإطار، من المهم أيضاً أن تنتقل النقابات من دور مطلبي بحت إلى دور تشاركي، من خلال العمل بالشراكة مع المؤسسات، وليس فقط من زاوية المطالبة بالحقوق. طبعاً، كل ذلك يحتاج إلى إطار تشريعي داعم. نحن بحاجة إلى تحديث قوانين العمل لتشمل أنماط العمل الجديدة مثل العمل الحر والعمل عن بُعد، وضمان استقلالية النقابات، وإشراكها بشكل فعلي في رسم السياسات الاقتصادية وإدارة الأزمات".
وأكد حاصباني أنه "في أوقات النمو كما في الأزمات، تؤدي النقابات المهنية دوراً محورياً في صون جودة العمل وتعزيز استقرار الاقتصاد.إعادة بناء نقابات قوية ومستقلة في لبنان ليست خياراً، بل شرط أساسي لأي مسار جدي نحو التعافي الاقتصادي والاجتماعي".