كان لافتاً ما قاله السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري منذ يومين، وتحديداً في معرض ردّه على سؤال عن الضغط الأميركي لترتيب لقاء بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حين أطلق سؤالاً مضاداً عمّا إذا كان نتنياهو "بعبعاً". بداية، لا بد من القول إن السفير الأميركي الحالي هو الأقرب إلى لبنان بين الدبلوماسيين الأميركيين الذين سبقوه خلال العقد الأخير، بمن فيهم من تولّى الملف اللبناني في السنتين الأخيرتين؛ أي أنه أفضل بكثير من توم براك ومورغان أورتاغوس. غير أن ذلك لا يعني أنه أقرب إلى لبنان منه إلى إسرائيل، أو أنه مستعد للتخلي عن السياسة الأميركية التي تدعم إسرائيل أولاً، وإن كان يتميّز عن سواه من الدبلوماسيين الأميركيين في أواخر عهد الرئيس جو بايدن وبداية العهد الثاني للرئيس دونالد ترامب (صديقه الشخصي).
في العودة إلى السؤال الذي طرحه عيسى، يمكن استخلاص أن الإدارة الأميركية تضغط بقوة وجدية لإتمام اللقاء بين عون ونتنياهو في وقت قريب، على الرغم من التحفظات اللبنانية من جهة، ومن "الشراهة" الإسرائيلية في الاعتداء والقتل من جهة أخرى. وما أوحى به عيسى أيضاً بطريقة غير مباشرة هو أنه لا مفرّ من أن يكون ترامب الحَكَم في المسألة اللبنانية، وأن "يقطف" أي نتائج إيجابية قد تُطرح، واضعاً بذلك حداً لكل المبادرات الأخرى، أوروبيةً كانت أم عربيةً أم غيرها...
أما مسألة البعبع، فمن المعروف أن التسمية تعود إلى كائن خيالي مخيف، والجواب على سؤاله بكل بساطة: نعم. نتنياهو بعبعٌ بكل ما للكلمة من معنى، والخوف منه ينبع من عدم اتزانه —بدليل الجرائم التي ارتكبها ولا يزال، إضافةً إلى تأثيره على ترامب للدخول في حرب مع إيران كان يمكن تفاديها— ومن "صك البراءة" الممنوح له من الإدارة الأميركية الحالية. قد لا يجد عيسى سبباً يدفعه إلى الخوف من هذا البعبع الشنيع بشكل مباشر، لكنه بالنسبة إلى الآخرين —وغالبيتهم من الإسرائيليين وبعض الأميركيين والأوروبيين وسواهم— كائنٌ مخيف شكلاً ومضموناً، لا يجوز أن يعيش بين الناس؛ وهذا ما دفع المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار مذكرة توقيف بحقه، رفضت أميركا الاعتراف بها، بل هاجمت قضاتها.
لكن إذا كان عيسى لا يخشى أن يؤذيه هذا البعبع مباشرة، فهل يعني ذلك أنه لا يجب أن يخشى الأذى غير المباشر الذي يُلحقه؟ إن التداعيات غير المباشرة لقرارات نتنياهو ومصالحه الشخصية كفيلة بأن تُرعب أي كان، وهذا ما يحصل اليوم؛ إذ أن جرّه لأميركا إلى خوض حرب على إيران كشف أن آثار هذا القرار طالت العالم أجمع وأخافت الدول القريبة من إيران والبعيدة عنها على حدٍّ سواء. لا يمكن تلطيف أفعال نتنياهو مهما حاول البعض ذلك، ومن الضروري أن يثبت عون على قراره بعدم لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي، لأن عكس ذلك سيجعل من رئيس الجمهورية اللبناني هدفاً لانتقادات يصعب مواجهتها أو ردعها. ومن المهم أن تتحقق الأهداف التي أعلن عنها عون شرطاً لإتمام هذا اللقاء.
في المحصلة، يمكن اعتبار نتنياهو كائناً يرتكب أعمالاً فظيعة تفوق الخيال، وهي بالطبع مخيفة، مما يجعل مفهوم البعبع ينطبق عليه انطباقاً تاماً، لجمعه الخيال والفظاعة في آن. على السفير الأميركي في لبنان مراجعة نفسه ليعرف الجواب على ما سأل، وليتبيّن ما إذا كان سيكون مشمولاً بتأثير نتنياهو السلبي غير المباشر، أم سيكتفي بمحاولة الابتعاد عن تداعياته.