يتعلم المرء بخضم الحرب الاميركية على ايران ان ليس كل ما يُسرّب في واشنطن عن اقتراب التفاهم مع طهران يمكن التعامل معه كحقيقة مكتملة، ففي كثير من الأحيان، تكون هذه الأجواء، ايجابية او سلبية، جزءاً من إدارة تفاوض لا تقل أهمية عن التفاوض نفسه.
يعرف الأميركي جيداً كيف يستخدم التصريحات لتهدئة الأسواق الماليّة أو ضبط إيقاعها، او رفعها لدول شرق اسيا، او يضخ تسريبات متفائلة أحياناً، مع نوع من التهديد لزيادة الضغط على الطرف المقابل ودفعه نحو تنازلات، أو لإيصال رسائل غير مباشرة لحلفائه قبل خصومه بأنه يسعى لانهاء الحرب لكن الطرف الاخر لا يقبل بذلك.
لذلك، فإن قراءة مسار التفاوض اليوم لا يمكن أن تُبنى على ما يُقال في الإعلام فقط بقدر ما تُفهم من خلال ما يُطرح فعلياً على الطاولة، وما يُؤجَّل، وما يُرفض.
بحسب مصادر سياسية مطلعة فإن المشهد الحالي يوحي بحركة نشطة، لكن غير مكتملة بعد، مشيرة عبر "النشرة" الى وجود أفكار يتم تداولها، بعضها شهد تقدماً نسبياً، خصوصاً في ما يتعلق بآليات تقنية أو مراحل تنفيذية يمكن البناء عليها، فيما لا تزال نقاط أساسية عالقة، تعكس جوهر الخلاف.
في هذه النقاط تحديداً يظهر التعنّت الأميركي بشكل أوضح، سواء في ما يتعلق بسقف العقوبات، أو بطبيعة الضمانات، أو بحدود البرنامج النووي الإيراني على المدى الطويل، تقول المصادر، مشيرة الى ان هذه ليست ملفات هامشية يمكن تجاوزها بسهولة، بل هي العقد التي تحدد إن كان الاتفاق ممكناً أو مجرد إدارة موقتة للأزمة.
في المقابل، تؤكد المصادر ان طهران تتعامل مع هذا المسار بحذر، بلا اندفاع نحو اتفاق سريع، ولا انسحاب من المسار التفاوضي، لوجود إدراك بأن الوقت عامل قوة نسبية، وأن كل جولة تفاوض تُدار ضمن توازنات أوسع تتجاوز الملف النووي نفسه، لتشمل الإقليم، والاقتصاد، وحتى موقع إيران في معادلات دولية متحركة. لذلك، يأتي الرد الإيراني عادة مدروساً، يتأخر حيناً ويُفاجئ حيناً آخر.
تشير المصادر الى ان بعض النقاط التي طُرحت أخيراً تنتظر جواباً إيرانياً، لكن هذا الجواب سيحمل في طياته قراءة سياسية للمرحلة كلها، ولذلك تضغط اميركا بالاخبار الايجابية والتهديد ايضا.
في الخلفية، تلعب عوامل أخرى دورها، مثل الأسواق العالمية، خصوصاً سوق الطاقة، فهذه ليست بعيدة عن هذا المشهد، لأنّ كل تسريب عن اتفاق محتمل يترك أثراً فورياً على الأسعار، وهو ما يمنح واشنطن سبباً إضافياً لاستخدام هذا النوع من الرسائل.
كذلك، فإن الإدارة الأميركية، في ظلّ حساباتها الداخلية والخارجية، قد تجد في إبقاء باب التفاوض مفتوحاً بحد ذاته إنجازاً، حتى من دون الوصول إلى اتفاق نهائي في المدى القريب.
ما يمكن قوله بحسب المصادر أن المسار التفاوضي لم يُغلق، لكنه لم يُحسم أيضاً، مشيرة الى وجود مساحة بين التقدم والتعثر، تُدار فيها العملية بحذر من الطرفين بوساطة باكستان وتدخل دولي رفيع المستوى، لذلك فإنّ الإفراط في التفاؤل قد لا يستند إلى معطيات صلبة بعد، كما أنّ الاستسلام للتشاؤم يتجاهل أن التفاوض مستمرّ وأن بعض العقد قابلة للفك إذا توفرت الإرادة السياسية.
ترى المصادر الى اننا اليوم في هذه المنطقة الرمادية، حيث يتقدم التفاوض خطوة ويتراجع أخرى، بينما الرسائل التي تُضخ للإعلام قد تكون اهدافها منفصلة عن هدف الاتفاق الفعلي.