عاصمةٌ تُقصَف ساعةً بساعة. مطارٌ على بُعد ميلٍ من نقاط الاستهداف وشركة طيرانٍ واحدةٌ قرَّرت أن تُكمل التحليق.

قُبيل منتصف ليل السادس من آذار/مارس 2026، كانت طائرة "​طيران الشرق الأوسط​" التي تحمل الرقم ME230، قادمةً من باريس، تَدور في حلقةٍ بطيئةٍ فوق المتوسط. في الأسفل، طائراتٌ حربيةٌ تُنهي موجةً من الغارات على أحياءَ تكاد تُلامس السياج المحيط بمطار ​رفيق الحريري​ الدولي. مؤشّر الوقود في قمرة القيادة يتراجع، لا إذنَ بالهبوط ولا مطارَ بديلٍ في المدى!

عند تلك اللحظة، فتح مراقبٌ جوي ​لبنان​ي تردُّداً طارئاً، وأذاع تحذيراً يفهم كلّ طيارٍ في الجوار – مدنيّاً كان أم عسكرياً: الطائرة المدنية على وشك أن تَفقد وقودها قبل أن تَجد مدرجاً. تراجعت المقاتلات. هبطت ME230، تحمل شعار الأرز ، على أرض بلدٍ في حرب.

ذلك المشهد – الذي رواه لاحقاً وزير الأشغال العامة والنقل ​فايز رسامني​ – يَختصر ما عجزت المنطقة عن قراءته في الأسابيع التالية. ففي الوقت الذي تعثَّرت فيه محاور الخليج، وانهار "الممرّ الأوسط" بين أوروبا وآسيا، ظلَّ مطارٌ صغيرٌ على الطرف الجنوبي لعاصمةٍ تُقصَف، مُضيئاً، مفتوحاً، عاملاً... لأنّ شركة طيرانٍ واحدة، عمرها ثمانية عقود، قرَّرت أن الإغلاق ليس خياراً.

مدينةٌ تحت النار، لا ضواحيها فقط...

افتُتحت الجبهة اللبنانية في الثاني من آذار/مارس. وفي غضون أيام، كانت ​بيروت​ تَستقبل أعنف موجة قصفٍ منذ ثمانينات القرن الماضي. وبحلول التاسع من نيسان/أبريل، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية إستشهاد وإصابة الآلاف. ومايقارب مليون لبنانيٍّ نزحوا قسراً عن بيوتهم.

والأهمّ، في ما يَخصّ الطيران: لم تكن هذه حرباً تَحصرها الجغرافيا في الجنوب أو في حدود الضواحي. بَلغت الغارات قلب العاصمة، وأحياءً لم تُمَسّ في جولة 2024. في الثاني عشر من آذار، أسفرت غارة مسيّرة بأسلوب الضربة المزدوجة على واجهة الرملة البيضاء البحرية عن مقتل ثمانية مدنيين نازحين، كانوا يَحتمون بخيامٍ على الكورنيش. ثم جاء الثامن من نيسان/أبريل. في أقل من عشر دقائق، أسقطت نحو خمسين مقاتلةً ما يَقرب من 160 ذخيرةً على أكثر من 100 هدفٍ في بيروت والبقاع والجنوب. خمس ضربات متلاحقة أصابت قلب بيروت. الحصيلة: 357 قتيلاً و1,223 جريحاً في ظهيرةٍ واحدة. وأعلنت الحكومة اللبنانية حينها يوم حدادٍ وطني.

تلك كانت المدينةَ التي تُسيِّر "طيران الشرق الأوسط" منها رحلاتها. ضرباتٌ سقطت على مسافةٍ تَقلّ عن أمتار من سياج المطار. في الأول من نيسان، أصابت غارةٌ الطريق المؤدّي إلى المطار، فأقفلَتْه قوى الأمن نصف ساعة، أزالت الركام، وأعادت فتحه، أمّا المطار نفسه فلم يَتوقّف لحظة.

الفراغ...

قبل نهاية شباط/فبراير، كانت أكثر من 2,800 رحلةٍ قد أُلغيت في المنطقة في غضون 24 ساعةً فحسب. ومع نهاية آذار، تخطّت الإلغاءات 52,000 رحلة – أي أكثر من نصف الحركة الجوية المُجدوَلة في الإقليم. أصدرت ​وكالة سلامة الطيران الأوروبية​ (EASA) نشرة تحذير مناطق النزاع، وأَدرجت أحدَ عشر بلداً ضمن أجواءٍ يُنصَح بتجنُّبها. لبنان كان منها، فانسحبت معظم الشركات الدولية في أيام.

لكن لبنان لم يَملك ذاك الترف. فحتى مطلع نيسان/أبريل، كانت تسعة جسورٍ على ​نهر الليطاني​ قد دُمّرت، فقُطع الجنوب عن سائر البلاد. بات ​مطار رفيق الحريري الدولي​ شريانَ لبنان الوحيد المتبقّي إلى العالم الخارجي. لو أُغلق المطار، لأُغلق البلد بكامله. فظلَّت "طيران الشرق الأوسط". وظلّت "الملكية الأردنية"، التي عادت في الحادي والعشرين من آذار. وغادر الباقون.

هندسة البقاء تحت النار...

استمرارية بيروت لم تكن ارتجالاً، بل هندسةً دقيقة. كانت طائرات "​الميدل ايست​" تُحلِّق في ممرّاتٍ مرسومةٍ بدقّة، لا تَتقاطع مع نطاق عمل الطائرات العسكرية في الجو. أجهزة الإرسال المدنية تَبقى مفتوحةً باستمرار، فتَظهر كل حركةٍ تجاريةٍ لبنانية على شاشات الرادار في الوقت الفعلي. الطائرات العسكرية كانت تُحلِّق على ارتفاعاتٍ أعلى بكثير. وعلى امتداد النزاع كلّه، لم تتأخّر سوى رحلتين أو ثلاث رحلاتٍ تجارية في الهبوط بسبب نشاطٍ عسكري، بحسب رئيس الهيئة العامة للطيران المدني الكابتن ​محمد عزيز​ – ومن بينها رحلة ME230.

أمّا الطبقة الدبلوماسية، فاستندت إلى واشنطن. ظلّت الحكومة اللبنانية، والهيئة العامة للطيران المدني، ورئيس مجلس إدارة "الميدل ايست"، ورئيس الأجهزة الأمنية، على تواصلٍ يوميٍّ على مدار الساعة مع السفارة الأميركية في بيروت، التي عَملت قناةً خلفيةً مع الأطراف المنخرطة في النزاع. أبلغ الوزير رسامني محطة "​إن بي سي نيوز​" أنّ المطار حَصل على ضمانةٍ بألا يُستهدَف. أن تَصمد هذه الضمانة فيما تُسوَّى بالأرض مبانٍ في خمسة أحياءَ من قلب بيروت خلال عشر دقائق في الثامن من نيسان، هي الحقيقة الأكثر إدهاشاً في تلك المرحلة بأسرها – ممرٌّ من الاستثناء الصريح، حُفِر في قلب الحرب.

وقد جرى اختبار هذا الممر باستمرار. في الحادي عشر من آذار، أصابت غارةٌ قلب بيروت؛ طارت "الميدل ايست" في ذلك اليوم. في الثامن عشر من آذار، أصابت غارةٌ أخرى وسط العاصمة وقَتلت ستة؛ طارت "الميدل ايست" في ذلك اليوم. في الأول من نيسان، أصاب القصف طريق المطار؛ استُؤنفت الرحلات في غضون نصف ساعة. في الثامن من نيسان – يومَ أعلن لبنان الحداد الوطني – ظلّت طائرات "الميدل ايست" تُقلع وتَهبط.

نوعٌ مختلف من الصمود...

عند تقييم أي منظومة طيران، يَسهل أن نَقيس فقط ما يَنهض بعد السقوط. وَفق ذلك المعيار، أدّت محاور الخليج أداءً استثنائياً – السعودية ملأت الفراغ. دبي واجهت التحدي، عُمان نموذج الاستقرار الصامت.في وقت كان الطيران الأوروبي أمام انكشاف هيكلي كشف عمق هشاشته.

غير أنّ بيروت تَطرح شيئاً مختلفاً، وأكثر مشقة. ليست هذه استعادةً بعد انقطاع، بل تشغيلٌ في خضمّ الانقطاع – تحت قصفٍ حَضري مباشرٍ لم يُواجهه أي مطارٍ آخر يعملٍ في المنطقة. أُخليت دبي احترازاً؛ أمّا بيروت فقُصفت. أُغلقت الدوحة؛ أمّا بيروت فضاقت ولم تُغلق. أَوصدت الكويت أجواءها قرابة شهرين؛ أمّا الأجواء اللبنانية فبَقيت مفتوحةً كلَّ يومٍ من أيام الحرب.

بلدٌ خَسر كثيراً ممّا لا يَنشغل به غيره من البلدان، تمسَّك في 2026 بشيءٍ واحد لطالما أصرَّ عليه: بابٌ مفتوحٌ إلى العالم. وذاك الباب بقي مفتوحاً بفضل شركة طيرانٍ واحدة، وأربع رحلاتٍ في اليوم، وثمانية عقودٍ من العادة المؤسّسية، ومراقبٍ جويٍّ امتلك الجرأة لأن يَقتحم تردُّداً طارئاً، ويأمر الحرب بأن تَصمت تسعين ثانية... ريثما تَعود طائرة ركاب إلى بيتها.

ذلك هو "نموذج بيروت" – أهدأ وأصغر من نموذج الخليج، يَعمل في ظروفٍ أعنفَ من ظروفهم جميعاً، وأقربُ ما أنتجته أزمةُ 2026 من تعريفٍ جديدٍ للصمود: تعريفٍ لا يَستلزم عودةً كي يُقاس بها، لأنّ صاحبه ببساطة... لم يَتوقَّف منذ البداية.